موقع الذكر الحكيم للدراسات القرءانية

شبهات المُلحدين

شبهات المُلحدين

شبهات الملحدين

الحمد لله الخالق، الواجد، الباريء، المصوّر، خلق الإنسان من طين، ثم سواه، ثم نفخ فيه من روحه فصار عاقلاً متدبرًا حكيمًا ـ وعكس ذلك إن تخلى عن نفخة الترقي التي نُفِخَت فيه ـ. ثم إنه سبحانه عندما قرر خلق هذا الكون الّذي يحتوينا قرر أيضًا بحكمته أن يكون عبارة عن عالمين، وهما: عالم الشهادة ويشمل كل ما هو فيزيائي طبيعي، وعالم الغيب، ويشمل كل ما هو ميتافيزيقي غيبي. وكل من لم يَنْفَخُ فيه الروح فلا تعلق له بعالم الغيب، ولذا فهو كائن يتعامل مع الواقع فقط. أما الإنسان ـ الخليفة لمن سبقه ممن لم ينفخ الروح فيهم ـ فهو القادر على تخطي عالم الشهادة إلى عالم الغيب، إذ يحل منطق العقل محل المشاهدات، ويتعرف على ما وراء المادة من العالم غير المشهود.

ثم إن الله تعالى قد عرَّفنا ببعض الحقائق التي غابت عنا، ولكننا نجدها بالتفكر والتدبر صحيحة، ومن ذلك:

ـ أنه هو خالق كل شيء: ” اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . .”. ونحن نجد عقلاً أنه لا يوجد شيء صادفناه في حياتنا مصنوع بغير صانع، أو كتاب مطبوع بغير طابع.

ـ وأنه خلقنا لغاية: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”. ونحن نجد عقلاً أنه لا يوجد شيء صادفناه في حياتنا مصنوع بغير صانع وغاية، أو كتاب مطبوع بغير طابع وغاية.

ـ وأن إقعاد القرءان وإقصائه هو الهدف الأول للشيطان وحزبه.

وهذا الإقعاد منه ما تمّ بخبث ومكر، وذلك بأن يَحلّ زخرف القول بما فيه من كأبة، وقلة عقل، ودموية، وعدوان، وتطرف، وإرهاب محل الكتاب المنزل.

ومنه ما يتم بالطعن في القرءان مباشرة، وهو ما جرت عليه عادة أعداءه من أهل الكتب السابقة.

ثم إن هؤلاء الأعداء الّذين يقومون بالطعن في القرءان مباشرة هم من أجهل الناس به، وهم الّذين قال الله تعالى في حقهم في سورة الإسراء: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا”.

وقد درج هؤلاء الأعداء على تكليف بعض من يحسبونهم قادرين على الطعن في القرءان ليقوموا بهذه المُهمة عنهم، لقاء دراهم معدودة، وقد كان من هؤلاء المُلْحِد القديم ابن الرواندي الّذي قدح في القرءان لحساب اليهود.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد مرت السنين، وذهبت الأجيال، ثم جاء دور أحد المُلْحِدين الجُدد، ليتأسى بسلفه ابن الراوندي ـ وهو يفخر بذلك ـ، وليصب جام غضبه على القرءان ومُنَزِّله سبحانه، وهو المُلْحِد المدعو بـ/ عباس عبد النور، المصري من دمنهور، الّذي صنف كتابًا سماه: “محنتي مع القرءان، ومحنتي مع الله في القرءان” ملأه بالجهل والتطاول على الله تعالى.

والأخطاء منها ما هو بسيط، ومنها ما هو غليظ؛ جوهري، أيدولوجي، يُظْهِرُ كثافة عيب صاحبه. ولكي نعلم بمُصيبة عباس في نفسه، وتعمق الجهل في عقله فلنعرف أولاً أن صاحب المسلك العلمي لا يركن للتاريخ المدون، ولا يحسب على غيره ما أُلْصِقَ به، وإنما يشغل نفسه بالبحث المجرد ليصل من الحقيقة بحسب إمكانياته العقلية والمعرفية، وما تيسر له من وسائل إدراك، وهو ما تحاشاه عباس طول صفحات كتابه.

وعباس هذا هو سُنّيّ قديم، صوفي عتيد، وبذلك تشابه مع الصليبي الحاقد المُسَمّى بزكريا بطرس في انحصار علمهما عن القرءان في الروايات والأحاديث الرائجة في مذهب أهل السُنّة، وزاد عباس ببعض الطقوس المُخترعة التي يصعب حصرها من مخلفات الصوفية. ثم ألمت بعباس الخطوب، فمرض، وضاق به الحال، وظلّ يدعوا ربه (الّذي اخترعه مذهبه) فلا يجد له مُجِيبًا، ومن ثم فقد انقلب عليه وهو يحسب أن دين ربه هو موروث مذهبه، ولذا فقد وجد من المثالب ومواطن الشنأ ما مهد له ملأ كتابه بما حسبه حقًا.

كان من المُمْكِن أن يرى عباس هذه المثالب بعين التجرد والحق لو كان مسعاه خالصًا لله تعالى، ولكنه عادى الله تعالى أولاً، ثم راح يحسب مثالب وعيوب مذهبه القديم على الله ودينه وكتابه. فأي قدر من الجهل الأيدولوجي والجوهري لحق بعباس سواء من ناحية نظرته للأمور، أو من ناحية نتائجه التي توصل إليها؟!

إن عباس هو مثال للجهل الصارخ، ولنتخيل أن جهله هذا أوصله للقول بعدم وجود صانع للمصنوعات، وخالق للمخلوقات، . . الخ، حتى قال عن الله تعالى:

“ألله هو الوهم الأكبر، ولذلك فهو الملاذ الأكبر”.

“لقد انقطعت علاقتي بالله منذ زمن لا أسأله شيئًا ولا أطلب منه شيئًا، بل إني أتحداه أن يمنع تحقيق ما يمكنني تحقيقه أو تحقيق ما لا سبيل إلي تحقيقه، فأنا لا حاجة بي إليه إذا كان حقًا له دخل في قضاء الحاجات أو يسمع دعائهم أو ـ بالأحري ـ يعلم بوجودهم!”.

“إذا كان الله غير عابئ بي ولا يبدي أي اهتمام بمصالحي وحاجاتي، فلماذا أشغل نفسي به؟”.

“وهنا تسارعت الأحداث بيني وبين ربي لقد خاب أملي به كما خاب أملي بيسوع. فكلاهما أفلس من أخيه”.

وياليته اكتفى بالجهل والغباء الّذي لم يغادر منه ذرة، بل صاغ كل ذلك في إطار من قلة الأدب، حتى قال عن الله تعالى:

“والحق الذي لا جمجمة فيه، إن الله ليس فيه نقطة دم واحدة تجعله يحس بأوجاع هذا العالم وآلامه”!!

لقد حسب عباس تحريف الكهنة والأحبار للكتب السابقة على الله تعالى متأسيًا في ذلك بسلفه الرازي، . . . انظروا لقوله:

“وهكذا يضرب الرازي الأديان والكتب السماوية بعضها ببعض ليصل إلي هذه النتيجة: وهي أنها كاذبة، لأن التناقض بينها يؤذن بكذبها جميعًا ما دامت تدعي أنها ترجع إلي مصدر إلهي واحد”.

لم يسأل هذا الجاهل وأمثاله أنفسهم: لماذا فضح الله تعالى الأحبار والرهبان، وبَيَّنَ تلاعبهم بالنصوص؟!

“فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ”.

“أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ”.

لم يسأل هذا الجاهل وأمثاله أنفسهم: لماذا جعلهم الله يُسَجِّلُون بكتبهم (المحرفة لتواكب هواهم) النصّ على تحريف هذه الكتب. انظروا:

أرمياء: “هكذا قال رب الجنود لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبأون لكم فإنهم يجعلونكم باطلا تتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب”. ثم:

“إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا”.

ـ أرمياء: “كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا حقا. إنه الى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب”.

ـ أشعياء (تغيير وتبديل الشرائع): “والأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدوا الشرائع غيروا الفريضة نكثوا العهد الأبدي. لذلك لعنة أكلت الأرض . .”.

لو كان هذا التلاعب يلزم الله تعالى ودينه لما فضحه، ولما أنزل التصحيح له. ولكن الله تعالى أعمى أبصارهم، ويوم يقفون بين يديه مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء لن يستطيعوا أن يمارسوا هذه الأكاذيب، وسيعجز لسانهم عن الانطلاق بها.

لقد حفظ الله تعالى نصوص التحريف كلها بمراجع القوم؛ سواء التى تُقنن المصدر المبتدع أو التى تحوى تفاصيل الانحراف، والإرهاب، والإجرام. ليُلَخِّص لنا ما حدث عند أهل الكتاب لما بدلوا أحكام الله تعالى، وذلك لتعتبر الأمة الخاتمة التى لن يجيء بعد نبيها نبي يصحح للبشر مرجعيتهم أو انحرافاتهم، ولكن أذكى أهله لم ينتبه لشيء من ذلك، ولذا راح يحسب على القرءان ما بدله أهل الروايات من أحكامه؛ ليس فيه، وإنما في رواياتهم. وبذلك بقى القرءان وعاء حقٍ لكل من يروم الوصول إليه، إلا من أعمى الله بصيرته كعباس وأمثاله.

لم ينتبه عباس إلى أنه لو كان باحثًا بحق لعلم أن قومه القُدامى بدلاً من أن يدرسوا كتاب ربهم ويعلموا ويعملوا به؛ قدموا عليه وعملوا بغيره، حتى إنهم ليسفكون دماء المرتد، ويذبحون تارك الصلاة ولو لفرض، ويجزّون عنق الأسير الذى حقن الله دماءه، ويقطعون رجل السارق فى المرة الثانية والرابعة ويقتلونه فى الخامسة، ويقتلون الساحر، ويقتلون الزانى برجم وحشى بطيء، ويقتلون مانع الزكاة، وغير ذلك من دماء لم يأذن الله تعالى فيها. ويا ليتهم اتفقوا على تحديد المقتول، بل ـ وعلى سبيل المثال ـ فقد اخترعوا تسمية “الزانى المحصن”، ثم اختلفوا فى تحديد الإحصان، وبالتالى فمن السهل جدًا أن يُقتل رجل زنيٍ عند بعضهم لاعتباره محصنًا على مذهبهم، ويُترَك نفس الرجل لو عُرِضَ على مذهب ءاخر أو شيخ مختلف لعدم اعتباره محصن عند ذلك المذهب.

وصدق أو لا تُصَدِّق، فقد حسب الباحث عن الجهل “عباس” كل ذلك على الإسلام؛ انظروا لهذا الفصل الّذي فصّلَه لتقبيح القرءان:

“خامس عشر: بربريات القرآن”. ثم يقول تحت عنوانه:

“4. وقتل أسري الحرب: “ما كان لنبي أن يكون له أسري حتي يثخن في الأرض” (8/67).

5. وجلد الزاني والزانية، بل رجمهما بالحجارة، وعلي رؤوس الأشهاد، حتي يموتا:” الزانية والزاني، فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين” (24/2)”.

وتخيلوا أنه يفهم قول الله تعالى عن الإثخان بأنه هو قتل الأسير، ويحسب رجم الزاني على القرءان فالإسلام!!!

ألم أقل إنه مثال للجهل الصارخ، ممن قضى عمره الأول ـ بحسب قوله ـ في تحصيل الجهل، والإمساك بخيوط العنكبوت.

لم ينتبه عباس المُلْحِد ولو للحظة إلى أنه كان أحد أفراد مذهب يتم فيه التلاعب بحياة الناس تحت مسمى الفقه، والمذهب، والإمام، وتباين الأحكام، وبالطبع فى ظل هجر الكتاب الذى لم ينصّ الله تعالى فيه على أى شيء مما سلف. ولم يتبين أن هناك فرقًا هائلاً جدًا بين دين الأية وبين دين الرواية، وهو نفس الفرق بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، وبين الشرعية الدينية الربانية وبين الشرعية اللاإلهية البشرية، وبين الإسلام والمسلمين. ولم ينتبه إلى أنه هناك فرقًا واسعًا وبونًا شاسعًا بين ما ينبغى أن يكون وما هو كائن، وبين المؤمن وبين المتمذهب في كل شيء.

لقد أوقع حضرة الأستاذ الدكتور عباس عبد النور نفسه في الباطل مرتين؛

أولاهما: عندما تسنن بغير سلطان من الله أتاه فحرم نفسه من فرصة العلم والتعلم من الكتاب، فكان مبلغه من العلم هو أقوال المُفَسِّرين من بني مذهبه، والّذين هم من أبعد الناس عن فهم ءاية واحدة من ءايات الكتاب أو ءايات القرءان. ثم تَصَوَّف فشطح، وبدأت بذور التجروء على الله تنبت في عقله.

وثانيهما: عندما يأس وقنط، مع أرضية خصبة من الجهل نتجت من سنوات التسنن، والتهود إلى الصحف الصفراء، فألحد وكفر بما هو معلوم دون نظر، وإنما هو معلوم ـ ليس من الدين ـ بالضرورة المنظورة في كل الاتجاهات والموجودات.

وهنا في هذا القسم سنقوم بإلقاء الضوء على كتابه خصوصًا، وعلى الإلحاد عمومًا.

وكلي ثقة أن القاريء سيصيبه التعب والإرهاق من تتبع مواطن جهل عباس: بالكتاب المنزل، وبالكتاب المنظور.

تأسّس سنة 2005