موقع الذكر الحكيم للدراسات القرءانية

ردُّ الصاعقةِ علي المارقةِ

ردُّ الصاعقةِ علي المارقةِ

في مرحلة ما من حياتي اكتشفت خطأ ما أنا عليه، وكنت ءانذاك ـ بحسب جغرافيتي وأسرتي ـ أنتمي إلى المذهب السُنّيّ إلي النخاع، حتي أنني بعت كل ما أملك واشتريت أرضًا بمحافظة مطروح لأتمكن من تطبيق حديث ـ من سمّوه بحذيفة بن اليمان ـ الخاصّ بالعزلة (1)، ولأبعد عن المدنية المشبعة بالفساد والتحلل ـ كما كنت أظنّ حينذاك ـ وكان السبب المباشر لشعوري ومسلكي ذلك هو تشبعي بالمذهب الفاسد الّذي كنت أظنّه هو الإسلام الحق. ثم صفا لي الوقت فمكثت مع مراجعي لأستكمل رحلتي في التعلم وتفقه ديني.

وبعد إتمام ما يفوق ـ تقريبًا ـ السبعة عشر ألف ساعة من الدراسة والبحث وسط ءالاف الكتب الصفراء تمكنت بفضل الله العليّ من تكوين رؤية مجردة ودقيقة لما أنا عليه، ولحقيقة المذهب الذي انتميت إليه، بل ولبقية المذاهب الأخري كمذهب الشيعة ـ الأكثر فسادًا من غيره ـ، ومذاهب أهل الكتاب ممن سبقونا، وممن لحقنا كالقاديانية الفاسدة، والبهائية الأفسد (صاحبة الكتاب المُتهافت المُسمي بالأقدس)، ومن المذهبية عمومًا (2).

تبينت أن القرءان مهجور بما تعنيه كلمة الهجر من معاني، وتأكدت أنه لا تكتّل ولا تَجَمُّع لأهله علي ظهر البسيطة، اللهم إلا أفرادًا متفرقين، وغالبًا لايعرفون بعضهم البعض.

أما الّذين يتشدقون بأنهم يؤمنون به ويعرفونه من أهل المذاهب فالحق أنه لا يتجاوز حناجرهم، ولا يَمسّونه، ولا يُحدث لهم ذكرًا. كما تأكدت أيضًا من أن الّذين يُفَعِّلون مفاهيم وتعاليم القرءان ـ أكثر من غيرهم ـ هم الملايين من أهل المعمورة ممن لا يدرسون القرءان ولايعلمون بما فيه؛ لأنهم ليسوا ممن يفقهون لسانه، وإنما تصرفوا بفطرتهم البعيدة عن المذهبية، وبقي أن يخبرهم أحد ما بحقيقة القرءان ليعرفوا عظمته وعلوّه، وفوقيته وسمّوه، وموافقة فطرتهم له، ولكن هذا لم يحدث لكثرة الخبث الذي يتحدث باسم القرءان فيشوّه رسالته ويُفسد معانيه، ويتقمص دور الهادي وهو ينضح بالضلالة والجهل من أعلي رأسه إلي أخمص قدميه.

وبرغم أنني كنت قد أهملت التعرض لأهل المذاهب ـ بعد أن وقر في نفسي أنني أحرث الماء بمجادلتي لهم ـ إلا أنه قد وصلتني مساء اليوم الجمعة 14/11/2008 رسالة ملتهبة موجهة من المدعو “أحمد بن محمد حسن عبده” بعنوان: “الصاعقة المحرقة في الرد علي المتقرئنه” ـ يقصدني ـ.

والحق يُقال فلطالما أحببت المناظرات الورقية، فهي أصدقها على الإطلاق، وأثبتها أيضًا، وتظل شاهدة على أطرافها، ولا يستطيع من خطّها بيده من هؤلاء الأطراف أن يتملص مما خطت يداه، وأخيرًا؛ فهي تُعطي فرصة لكاتبها للتروي، فنِعَم العدة طول الْمُدة؛ وعليه فيُنتظر منه إخراج أفضل ما عنده بعيدًا عن أي ضغوط تحتويها المُناظرات التصادمية. 

ونظرة عابرة على الرسالة “الصاعقة” نجدها امتلأت بالغضب والهمز، واللمز، والسباب، والتكفير، والتحقير، وقديمًا قالوا: “من أطاع غضبه، أضاع أدبه”. إلا أن كل ذلك يهون بجانب ما هالني من اكتظاظها بكمّ الجهل الضخم الذي أودعه المذكور بوريقاته علي رغم ضألتها، وقد سار فيها بمستوي منتظم من الجهل يدل علي أن بضاعته كلها مزجاة، وأن هذا هو ما عنده لا غير؛ إذ لو كان عنده ءاثارة من علم لنضح الإناء بما فيه، ولكن فاقد الشيء لا يُعطيه.

وقبل أن أقرأ سطوره الفقيرة كنت قد قرأته هو من خلال عِشرة بدأت منذ الطفولة، فالشباب، فالرجولة، وها نحن مقبلون على نهاية أعمارنا، ونستقبل خواتيمنا، وهو طول هذه المدة وهو كما هو: شخص عاند عنيد، بأسه شديد، صعب المراس، لا يسأم الضراس، جامح الرأس، مزهو بخياراته منذ الصغر، يُحاول جَهده؛ إملاء رؤيته على من تطاله يده، حتى أنه طلب من أخيه ألا يزوره في معتقله لكونه يدخن، وامتنع عن الأكل معه قبلاً طاعة لسلفه، وحاول إفساد زيجة أخته لأنها لم تطعه وتنتقب، ولأن خطيبها لم يُطعه ويلتحي، ثم امتد عدائه وبأسه للضعفاء من أهل قريته، فاقتحم المولد السنوي الّذي يقيمونه لشيخ عندهم (يُسَمّى بالشيخ منصور) فأخذ يُحطم ما تطاله يده، ويضرب من يستطيع ضربه، بعد أن جمع حوله بعض الحثالة حدثاء السن من أزواجه ليسهل قيادهم. ثم لما استشعر الخطر غادر إلي معقل الوهابية لما يقارب العقدين من الزمان، فنهل من مذهبهم الأصوليّ الّذي جاء علي هواه، وزاد من غلوّه، تاركًا الشباب الّذين كوّنهم فكريًا في المعتقلات بعد أن سبق وتألبوا عليه، ولم يطيعوه طاعة كاملة.

إنه تاريخ طويل من التعصب والتطاول حتى مع من أحسن إليه!!

ثم ها هو بعد ربع قرن من الزمان، يعود أسوأ مما كان، ليمارس نفس أدواره القديمة، بنفس مريضة سقيمة، فيحاول الاستعداء عليّ والمظاهرة، برغم ما جدّ من علاقة المصاهرة، ويُنَفّر مني لأنني لست مثله أصوليّ، مستخدمًا نفس أساليب التعصب الجاهلي، والتقليد الغبي، والجهل المتمكن كالداء، والكذب المستشري بلا أمل في شفاء، هذا فضلاً عن الإغواء، والتعالي والازدراء، وممارسة كافّة صنوف الانغلاق والمصادرة، كأنه دائمًا في مشاجرة.

لو استطاع أحمد أن يحرقني بصاعقة فعلاً لفعل، ولكننا سنكتشف هنا أنه لا يملك حتى الحجج الشرعية والعقلية التي تنقضُّ على الأفكار فتحرقها؛ إذ كيف سيفعل وهو ـ ابتداءً ـ من عنده الفكر الفاسد، والمشرب العطن. إنه لا يستطيع أن يحرق بهراءه الّذي سماه بالصاعقة شيئًا، اللهم إلا وقته الّذي يحترق هباءً حتى نفاذ الكمّية أو انتهاء الصلاحية.

هو من يحتاج إلى من يصحح له فكره، ويدله على عاقبة أمره، وينبهه إلى ما ينتظره إن ظلّ على ما هو عليه.

لم ينتبه أحمد إلى أن الفترة التي افترقنا فيها؛ كما كانت كافية ليجهل هو فيها كتاب الله، كانت كافية أيضًا ليكون جاهلاً بما أنا عليه، وبما مررت به من أحوال وتقلب في الفكر، وإن كنت ـ بحمد الله ـ أتقلب دومًا إلى الأحسن، ولم أغادر إلا ما تأكدت من فساده، ثم تبيّن لي أن هذا التحول هو ما سماه تعالى بالحنف، وأنه طريق مشترك متكرر، يَلِجُهُ كل من يريد أن يكون يومًا ما تقيًّا.

لم يُكَلِّفُ أحمد نفسه أن يعرف عني شيئًا سوى ما نُقِلَ إليه (كنقل الحديث) من مخالفتي لمنهجه الّذي استمات في شربه والدعوة إليه. وحسبني أخوه في الجهل والتسطح، أو أنني لقمة سائغة، وطريدة سهلة المنال، فتقسور واستأسد، وحشر لمناصبتي وحشد، وصال وجال مشمرًا سواعده الهزيلة ليخط بها رسالته التافهة، مسرًّا لمن أوصلها بأنني لن أجد عليها ردًّا ـ كذا حسب ـ!

وفي السطور القادمة سنُظْهِرُ لأحمد ولأزواجه، ولكل من بلغتهم رسالته ما يُدهشهم، ويجعل يومهم ليس أبدًا كسابقه. قد لا يعود أحمد عن منهجه حتي يُغادر ـ وهذا أغلب ظنّي ـ فهو عنيد ولكنه لن يظلّ كما كان قبل هذا الردّ أبدًا. سيستكمل مسيرته هذه المرة وهو يعرف على أي أرض يقف، وإلى أي جانب يحول، وإلى أين نهاية أمره تؤول.

وبالطبع فإنني في غنى عن تنبيهه إلى أنني “جاهز” إذا ما قام بإعداد صواعق أبرد من هذه الصاعقة. ووعد له مني أن أريه في كل لقاء يأتي ما هو جديد لم يمرّ على ذهنه “المستريح”، ولم يُشَنِّف أذنه المسدودة بالروايات والحكايات، أو تقع عليه عينه، هذا إذا كانوا لا يزالون يعملون.

لتحميل الكتاب اضغط الصورة أو هُنا

الهوامش: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ والحديث كما بالبخاري (11/439) عن حذيفة بن اليمان: “كان الناس يسألون رسول الله r عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا فقال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك”.

2 ـ تحت التصنيف الأن: “البهائية عداوة للقرءان، واستخفاف بالإنسان”، و: “الرد على الملحد الكفور عباس عبد النور”، و: “نقض التواصل وإخلاص الدين” ردّ على القرآنيين.

  • Nourdine Yagoub

    واخيرا …لقد اتنظرناك طويلا يا استاذ ايهاب وعن نفسي فاني يوميا تقريبا أدخل على موقعك لعلّي اجده يعمل مما يعني أنك  وجدت حلاّلكل الصعوبات التي تحدثت عنها في السابق في الموقع القديم على كل برجو الاستمرارية لهذا الموقع الجديد ونحن في امس الحاجة الى ارائك وكتبك والتي لاتثقف فحسب بل تغير العقل والفكر فنرجو رفعها وخاصة ما اشرت اليه في موقعك السلبق ولكم منا كل التقدير والاحترام
    ابوجاسم;

    • غير معروف

      مرحبًا أخي أبو جاسم
      صدقني أنا الَّذي أنتظركم، ويتسع صدري بِكم. أعتقد أنني في طريق الانتهاء مِن باقي العوائق، ولكن سيظلّ الموقع لفترة بدون إضافات نظرًا لانشغالي، وأتمنى إن كان لأي أحدٍ مِنكم أبحاث في القرءان أن يُراسلني لأرفعها له علي الموقِع باسمه، ونناقشها سويًّا.
      دُمت بخير

  • غير معروف

    عزيزي شبل
    كونك شبل الإسلام يَعني أَنَّكَ نشأت وتَنشأ في ظِلِّ الإسلام، وَهُوَ ما يعني أنَّكَ تَأدَّبت بأدابِ الإسلام وأخلاقه. إذ الإسلام يُعَلِّمُ الأدب، والمناقشة بحقّ. وَلَكِنِّي أراك هُنا تَتَحَدَّث بأخلاقٍ بَعيدةٍ عَن أخلاق المُسْلِم، حتى علي مَذْهَبَك.
    عَيبٌ عَلَيكَ أن تُخاطِب غَيرَك بهَذَا الأسلوب الخارج عَن اللياقة والكَياسة. لَكَ أن تَعْتَرِض كما تشاء، ولَكِن بأدبِ العامّةِ حتى.
    ما علينا. تعال نحلّل فقرتك الصغيرة هَذِهِ:
    1 ـ أولاً: تقول: “الكلام إما يصدق بالعقل أو يكذب”، وَهَذَا خَطأ؛ فالتصديق يكون بالقَلب لا بالعَقل. قال تعالي: “قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ”. إذ العقل ابتدائيّ، والفؤاد نهائيّ، ويكمل التَصْديق بالقَلب عِنْدَما يَجْتَمِعَا. وكَذَلِكَ التَكذيب، يقول تعالي: “مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى”، ولَم يَقُل: “مَا كَذَبَ الْعَقْلُ مَا رَأَى” مَع أنَّ الرؤية يُفْتَرضُ أن تكون عقليّة، ولَكِن لَمَّا تَعَلَّقَ الأمر بالتَكذيب راح للفؤاد. راجع مقالة القلب هُنا.
    2 ـ قولَك: “من تبع هواه دون قلبه وعقله” فيه مُقابلة غير صحيحة، إذ المرء بَين أن يتّبع هواه، أو يَتَّبِع ما أنزَل اللهُ، فكان الأولي بِكَ أن تقول: “من تبع هواه دون ما أنزل الله”، ولَكِن حتى هَكَذَا فسيكونُ كلامك غير صحيح لأنَّهُ غير واقعيّ ولا تستطيع أن تُثْبِتُ مِنهُ شيئًا.
    3 ـ تقول: “ولكنى رأيت كذبك فمنعنى من تصديقك”. فإن كان الكَذِب هُنا في الموقَع فكان يلزم التدليل علي أيٍ مِنهُ، وإلاَّ يعودُ الكَذِب عَلَيَّك. وإن كان الكَذِب المقصود رأيته عَينًا فهَذَا يعني أنَّكَ علي الأقلّ تَعرفُني، وَهُوَ ما يعني جُبنك عَن المُواجهة قبل الكلام عَن صِدق دعواك مِن كَذِبِها، فَإن كان كَذَلِك فأؤكَد لَك أنَّهُ جُبنٌ لا داعي لَهُ، ومَرْحَبًا بِك، وأنا علي استعدادٍ لسماع وجهةِ نَظَرِك بالكامل دون مُقَاطعة، وَلَو كانت خَطأ، فَنَحنُ لَسنا في خناقة، وَإنَّما في مُناقشة مسائل عِلميّة رَحِمَكَ الله.
    4 ـ تَقول: “ورأيت أسلوبك الشيطانى”. فَلِمَ لا تنصحني وتُبَيّن لي أينَ هُوَ أسلوبي الشيطانيّ المَذكور، أم أنَّكَ أخَذت عَهدًا علي نَفْسك أن تَظَلّ تَسُبّ بِلا بَيِّنة؟!
    5 ـ وتقول: “ولا يعلم سقطاطك إلامن إقترب منك ووجد تناقضك مع نفسك”، فَهَل أفهمُ مِن ذَلِك أنَّكَ ـ دونًا عَن زُوَّار مَوقعي ـ اقْتَرَبتُ مِنِّي وَوَجدتني أتناقضُ مَع نَفسي؟ أرجوك إن كان هَذَا صحيحًا فتَفَضَّل بِه عَليَّ.
    6 ـ قولك: “فيا حسرتك علي نفسك” تُعْذَرُ عَلَيهِ لحداثةِ سِنَّك، إلي أن تَفْهَم كَيفَ تُعَبِّر تَعبيرًا صَحِيحًا.
    وأخيرًا فما خربشته علي ورقة النِتّ لا يُسَمَّى بحالٍ رَدًّا، فَدَع الردُودِ ـ علي الأقلّ الأن ـ إلي مَن هُم أقدر مِنك، واهتمّ بأن تَكون مُسْتَقْبَلاً أكثرَ تأدّبًا، فَلَن يَضُرّكَ الأدب في شيء، بَل سيَنفَعُكَ عِندَ الناس، وَعِندَ رَبِّ الناس. نسأل اللهُ لَك الهِداية. وأتَمَنَّى أن أجدك يَوَمًا تَكتبُ ما تُعَلّمني ورُوَّاد المَوقِع إيَّاه.
    واضحٌ مِن تَعليقك هُنا أنَّك مُتَأثِّرٌ بما جاء في حَقِّ قريبك أحمد، وأنا أختم بتكرار تَرحيبي بِكَ كَمُناقش أو مُتَعَلّم، فحاول أن تَكونَ مُفيدًا ومُسْتَفيدًا، ودُمت بخير.

تأسّس سنة 2005