استحالة وجود النسخ بالقرءان
.
* قال الله عزّ وجلّ: إن النسخ يعنى الإثبات، فقال أهل الحديث: النسخ يعنى المحو (1).
وقال الله عزّ وجلّ: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)، يعنى: ما نثبت من الأيات الحسيّة التى نؤيد بها الرسل، أو نمحها بالإنساء، نأت بخير منها أو مثلها؛ فقال الخَلَف: المعنى هو:
ما نمحو من ءايةٍ (قرءانية) أو نُمحها (بالإنساء) نأتِ بخير منها ـ لأن كلام الله منه ما هو خير من بعضه الأخر ـ هكذا قالوا!!!
* وقال الله عزّ وجلّ: “فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ I لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ”، يعنى: فيثبت الله ما يلقى الشيطان ليجعله فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم؛ فقال أهل الرواية: المعنى هو:
فيمحو الله ما يلقى الشيطان ليجعله فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم!!!
* وقال الله عزّ وجلّ: “أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقرءان وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا”، فقال أهل السنة والشيعة:
هناك ءايات تلغى ءايات (أي وقع الاختلاف) وكله بالْقرءان!!!
* وقال الله عزّ وجلّ: “وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ”، فقال أهل الرواية:
هناك ءايات أُلغيت من الْقرءان تلاوة ولم تعد موجودة بالقرءان ولكن بقيت حكمًا وظلت بأيدي الناس، وهناك ءايات من القرءان أُلغيت تلاوة وحكمًا ولم تعد موجودة بالقرءان ولكن بقيت أيضًا بأيدى الناس!
* وقال الله عزّ وجلّ: “الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ”؛ فقال أهل الرواية:
ألغت ءاية واحدة أكثر من مائة وأربعة عشر ءاية “114″، ووصل بعضهم بالأيات الملغاة والموجودة بالقرءان إلى اليوم إلى حوالى الستمائة ءاية “600″ (2)!
* واضطرب الخلف؛ فقال فقهاء الرواية: الأيات الملغاة الموجودة بالقرءان 214 ءاية، وقال البعض الأخر: بل 5 ءايات، وقال البعض الأخر: بل 22 ءاية، وقال البعض الأخر: بل 6 فقط، وقال السيوطى: 20 فقط، و 9، . . الخ، وما يثبته إمام منهم ينقضه له إمام ءاخر أيضًا منهم، وبرغم ذلك يُسَمُّون أنفسهم بالعلماء الربانيين، ويُسَمُّونَ هذا التناقض الرهيب بالعلم الربانى، وبـ “علوم القرءان”!!
وقد وجد الحاقدون على الإسلام مثل زكريا بطرس فرصة عمرهم، ومنية أنفسهم فى هذه الأقوال؛ فراحوا يشنعون بها على الدين الإسلامى نفسه بدلاً من التشنيع على هؤلاء “المنتسخة” الذين لا يكادون يفقهون لله حديثًا.
يقول المستشرق “جولدتسيهر”: “إن النسخ موجود فى القرءان، وهو من عمل محمد”.
فمن الذى مهد لهذا المستشرق وأمثاله للقول بوقوع النسخ ونسبته للرسول؟!
ويقول رب العزة تبارك وتعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ”.
ليبين لنا سبحانه أن العداوة قد تأتى حتى من أقرب الناس لنا، ولذا وجهنا سبحانه إلى الحذر من هؤلاء الأعداء مهما كانت درجة قربهم منا.
وعلى نفس المنوال فإن الذين أساءوا للقرءان ولمنزِّله سبحانه هم الذين يتشدقون ليل نهار بأنهم أهله، وأهل علوم القرءان، الذين يزعمون معرفتهم بناسخه ومنسوخه، ومكيه ومدنيه، والليلي منه والنهارى، والحضرى منه والسفرى . . الخ، معتمدين فى ذلك على الروايات والقصص.
ولنا أنه عندما أنزل الله كتابه على أهل الجزيرة فقد أنزله على قوم حديثى عهد بالتكليف والرسالة، ولذا نجد أن فى خطاب الله تعالى لهم تأديب، وتعليم، وتكليف، وتشريف . . الخ. وقد كان من ذلك نزول قلة نادرة من التكاليف التى تحمل فى طياتها شيء من الشدة ولكنها فى حيز الاستطاعة. إذ القاعدة أن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”. وكما هو معلوم أن الدعاء يرفع البلاء، ويغير من الواقع بفضل استجابة الله تعالى له (3). ومن نفس المنطلق فقد خفف سبحانه هذه القلة النادرة من الأحكام تجاوبًا منه سبحانه لدعاء المؤمنين، ورحمة منه تعالى بهم، وهو أمر يدعوا للشكر والحمد.
إلا أن القوم قد بنوا على ذلك نظرية فاسدة مؤداها هو ما أشرنا إليه قبلاً من وجود النسخ (بمعنى الحذف والإلغاء) بالقرءان، ومن ثم فقد ظهر عندهم مايسمى بـ: “علم (!) الناسخ والمنسوخ”، وهو كمثله من مفردات علومهم بالقرءان مبنى على الروايات والحكايات، وعدم فهم القرءان وتدبر آياته.
كما أن هذا”النسخ” (4) مختلف على مفرداته تمام الاختلاف، فما هو منسوخ عند إمام منهم ليس كذلك عند إمام غيره. وكل الروايات الواردة فيه عند أهل السنة غير معترف برواية واحدة منها عند أهل الشيعة . .، وهكذا.
الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ـ إذ إن الخلف الذين جانبهم الصواب قالوا ما يُلحق العوار بشريعة الله تعالى ؛ فقالوا بأن العديد من أحكامها كان ينزل ثم يتم إلغاؤه، وأن ذلك الإلغاء يُسمى بـ”النسخ”. ثم توسع خلفهم فجعلوا هذا”النسخ”أنواع عدة، بل وتعدد مفهومه بين المتقدمين وبين المتأخرين، وكذلك بين أرباب كل مذهب. وبين هذه المفاهيم بعض الوفاق وكثير من عدم الاتفاق. وكلما استعصت عليهم آية فى الفهم وظهر لهم تصادمها مع فهمهم (المحدود) لغيرها قالوا بأن إحداها تلغى الأخرى أو”تنسخها”(على حد قولهم).
2 ـ يقول الدهلوي:”وهكذا اتسع باب النسخ عندهم وتوسعوا في موضوعه، وكان للعقل فيه مجال متسع وللاختلاف فيه مكان واسع. ولذلك بلغت الآيات المنسوخة خمسمائة آية، بل إذا حققت النظر تجدها غير محصورة بعدد”.
وقد بالغ الكثير من المفسرين والمنتسبين خطأً لعلوم القرءان في تعيين المنسوخ من ءايات القرءان حتى عدوا جميع ءايات الجهاد في القرءان منسوخة بآية واحدة هي آية السيف (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، وقالوا: إن هذه الآية نسخت حوالى (500) آية من القرءان.
3 ـ وليس هناك أدل على ذلك من واقعة ذى النون u الذى دعا ربه وهو بباطن الحوت فأنجاه الله تعالى، وكذلك استجابته سبحانه لأيوب u.
4 ـ تنبيه:
لينتبه القاريء (تفضلاً) إلى أننى سوف استخدم لفظ “النسخ” بمفهومه الدارج عند المتأخرين؛ أى بمعنى الحذف والإلغاء، إلى أن ننتهى من تفنيد قول أرباب المذاهب به. ولا يعنى هذا أننى أقول بهذا المعنى أو أوافق عليه، وإنما النسخ عندى يأتى بمعنى الإثبات.
.
