شريعة الإكراه فى الدين وقتل المرتد
اللهُ تعالي وتَقَدَّس أراد الحريّة للناس في هَذَا الوجود الدنيوي، ولِذَا نَصَّ كتابَهُ على هَذِهِ الحقيقةِ، علي أن يكون الحساب يوم القيامةِ، فقال: “. . فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف: 29).
وقد سبقها سُبْحانَهُ بقولِهِ لنبيّهِ: “وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” ليصدع بهذا التشريع الربانى، وليُعلن إيمانه وعمله بهِ عَن نَفْسِهِ، وليجرى ذَلِك مجرى الثوابت.
وبقية الأية يقول فيها سُبْحانَهُ: “إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا”. ليُبَيّن سُبْحانَهُ أنَّ الأية وإن كانت تنصّ علي حريّة الناسِ في الاعتقادِ إلاّ أنها بذات الوقتِ تُحَمّلَهُم مسؤولية اختيارهِم، وتُقَيِّدُ هذه الحرية بزمان بقائهم فى الدنيا، وبالنتيجة المترتبة على هذه الحرية. وبالتالي فإنّ هذهِ الحُريّة لا يصلح أن يُفسدها أحد، ولذا جاء الخطاب للنبيّ وللمؤمنين بالبُعدِ عَن التدخل في هذه الحُرّيّةِ، فقال تعالي:
“وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ“.
“فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ“.
“وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا“.
“فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا”.
النبيّ نَفسَهُ لا يملك أن يتدخل في خيارات غيرهِ ولو علي سبيل الاستحباب؛ انظر:
“إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ”.
وعلي نَفسِ الشاكلة يتنزَّلُ قولهُ تعالي: “قُلْ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ . .”.
وقال تعالي مُبَيِّنًا وقوع الاختلافِ ودوامه إلى يوم القيامة: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . .”.
“وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”.
وقال تعالي: “أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ“؟! وهو سؤال استنكارى يفيد استنكار الإكراه.
وقال تعالي: “فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى ءآثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً”.
وقال تعالي: “ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا”.
وقال تعالي: “وَمَنْ أَرَادَ الأخرةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا” (الإسراء: 19)، فقال سبحانه (وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، (وَمَنْ أَرَادَ)، وليس”وهو مُكرَهٌ، أو: ومن أُكرِه”!
والأيات فى إفادة نفس المعنى يضيق بها المقام . فهل بعد هذا نصدق كلام الرواة بأن هناك أمراً من الله لرسوله محمد بقتل الناس حتى يسلموا، ولعيسى ليُكره الناس؟!!
وأين هذا الأمر فى القرءان الذى قال عنه المولى جلّ وعلا: “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ” (النحل: 89)؟!
والأهم من ذلك هو: أين تطبيق ما كَذَبوه؟ فمتى، وأين أجبر النبى (ص) الناس على الإسلام؟ ومن هم هؤلاء؟ وهل هذا الحكم باقٍ إلى يومنا أم نسخ (كما قالوا تهربًا) قبل العمل به؟! وهل يُنسخ حكم قبل العمل به؟
ـ فقد روى البخارى ومسلم بصحيحيهما وجُلّ الروائيين أن النبى (ص) قال: “أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ“(1).
ـ وروى البخارى وغيره أن النبى (ص) قال:”من بَدَّلَ دينه فاقتلوه“!!
ـ وروى البخارى، ومسلم، وأحمد، والبيهقى، وعبد الرزاق، والطحاوى، والترمذى، وابن منده، والحميدى، وابن ماجه، والآجرى، وغيرهم عن أبى هريرة عن رسول الله (ص) قال: “والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً (عدلاً) مقسطاً فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال . .” (2) الحديث.
وأخرج أحمد، وابن حبان، والآجرى عن أبى هريرة أن النبى (ص) قال: “. . وأنه يدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال ويضع الجزية، وإن الله يهلك فى زمانه الملل كلها غير الإسلام ..” الحديث. وعند البخارى: “ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال . .” (3)!
وواضح إلى هنا أن الملل بخلاف الإسلام ستهلك، وأن ذلك نتج من جراء إلغاء الجزية وقيام الحروب على غير المسلمين لإكراههم على الدخول فى الإسلام، وهذا ما صرح به أهل الحديث ؛ فقالوا تعليقاً على ما جاء بالأحاديث سالفة الذكر: إن وضع الجزية، ووضع الخراج . . . الخ يعنى قتل كل من لا يقبل الإسلام، ولنطالع بعض ذلك:
ـ يقول المحدث ابن كثير: “ويضع (أى عيسى) الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم فى الصحيحين، وهذا إخبار من النبى (ص) بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك”.
وقال قبلها: “بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف“.
ـ المحدث النووى: الذى يقول معلقاً على وضع عيسى وإلغائه للجزية: “(ويضع الجزية) فالصواب فى معناه أنه لا يقبلها، ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام أو القتل . .”!
ـ المحدث أبو سليمان الخطابى: الذى يقول: “وقوله: (ويضع الجزية) معناه أنه يضعها عن النصارى وأهل الكتاب، ويحملهم على الإسلام، ولا يقبل منهم غير دين الحق، فذلك معنى وضعها والله أعلم” اهـ .
ـ الإمام الملا على القارى: الذى يقول (فى المرقاة شرح المشكاة): “ويضع (عيسى) الجزية أى عن أهل الكتاب، ويحملهم على الإسلام ولا يقبل منهم غير دين الحق”.
ـ المحدث ابن حجر: الذى ذكر قول النووى (الصواب أن عيسى لا يقبل إلا الإسلام)، ثم قال: “قلت: ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر عن أبى هريرة: وتكون الدعوى واحدة” اهـ .
ـ المحدث الكرمانى: الذى يقول: “والمراد بكسر الصليب إبطال النصرانية”.
ـ العلامة السفارينى الحنبلى: الذى يقول: “ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، ويتحد الدين فلا يُعبد إلا الله . .”اهـ .
ـ المحدث بدر الدين العينى: الذى يقول: “(ويضع الجزية) أى: يتركها فلا يقبلها، بل يأمرهم بالإسلام” اهـ. وقال أيضًا:”(ويضع الجزية) هذه رواية الكشمهينى، وفى رواية غيره (ويضع الحرب)، والمعنى: أن الدين يصير واحداً، لأن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يقبل إلا الإسلام . .” (4) اهـ .
وبالطبع فقد أنتج هذا التطرف فقهًا دمويًا تُسفك فيه الدماء البريئة باسم الإسلام . مع أن الحق هو أن يُقال: إنها باسم إرهاب الروايات وأهلها . أما ديننا فهوَ كما سبق عَرْضَهُ بالأياتِ.
كَذَلِكَ فلو فرضنا أن ثَمّةَ إكراهًا قد حدث للحمل على دين ما، فلن يؤثر بالطبع إلا على العمل (الظاهر). أما الاعتقاد (الباطن) فلا سبيل عليه، وهُوَ ظاهر مِن قول الله تعالي: “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ” (البقرة: 256) .
إذ إنَّهُ من المعلوم لزومًا وعقلاً أن الإكراه لا يعود إلا على المظهر أما الجوهر فليس للمُكرِه سلطة عليه، ولا يعرف أحد بحقيقة ما فيه إلا الله. ويكون معنى (لَا إِكْرَاهَ) أى نفى الدين الإجبارى. ثم إن هذا الحكم قد صُحب بالعلة (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ)؛ فالإسلام قد فرّق بين الحق والباطل، وبين الرشد (5) والغىّ، وأصبح فى وسع الناظر أن يُفرِّق هو أيضاً بين الرشد والغى، وأن يختار على بينة.
ويقول تعالي مستثنيًا مَن أكره على الكفر مِن الحكم عليه به: “إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ * مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإْيمَانِ”. إذ إن الإكراه لا قيمة له والعهدة على ما يعتقد القلب.
وقال تعالي: “قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ”. . إلى قوله تعالى: “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”.
وقال: “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ”، ولم يقل: إلا بالقتال أو الإكراه. إذ إن هذا غير حادث، وبالتالى فهو عكس مشيئته سبحانه.
وقال تعالي وهو ينقل قول نوح (س): “قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ”.
إذ أن هذه الأية كبقية الأيات تقرر أن الإنسان لا يلزمه ما يأتى عن طريق الإكراه. ولكن المتشبعون بالروايات ضعفاء فى فهم الأيات؛ فقالوا: استنكر نوح (س) إكراه الناس على دين الله وسيأمر محمد (ص)، وعيسى (س) بإكراه الناس على دين الله!
وقال تعالي ناقلاً قول قوم شعيب: “لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا”، وقول شعيب لهم: “قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ”؟! ليُبَيِّن أن الإكراه لا يفيد .
وقال تعالي: “لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ ءآيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ”، ولكنه سبحانه لن يُنزل عليهم هذه الأية فالإكراه ممتنع!
وقال تعالي: “يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ”، ولم يقل: بشكل سليم، لأن القلب (العقل) هو محل الدين والاعتقاد!!
وقال تعالي: “فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ”. وهذه الأية هي نصٌّ قوىٌّ جداً فى إبطال فساد أخبارهم، وتكفى وحدها، إذ إنها وضحت حدود الدعوة بالبلاغ فقط!
ومثل ذلك قوله تعالى: “فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ”، وكذلك الأيات 92 من سورة المائدة، و 12 من سورة التغابن، و 57 من سورة هود، وغير ذلك الكثير من الأيات .
ويقول تعالي: “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ”.
فبما أن الإكراه يتعلق بالمظهر فسيكون بالتالى غير مفيد، لأنه لا يغير شيئاً مما هو بقلب المُكرهَ . ويكون تصديق هذه الأخبار الفاسدة يعنى أن المطلوب من المسلمين هو أن يكرهوا الكفار على النفاق . إذ إن المنافق يوافق الصالحين فى ظاهرهم، ولكن قلبه يوافق الكافرين وهذا ـ كما هو واضح ـ كلام قبيح، قبح الله من وضعه ومن روج له .
ثم هل يذم الله تعالى النفاق والمنافقين، والخداع والمخادعين، ثم يدعو المسلمين إلى إعداد هؤلاء المنافقين؟!
وهل يدعوهم تعالي لإعداد المخادعين ليخدعهم؟! . . سبحانك هذا إفك عظيم .
ويقول تعالى:”إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا”ليُبَيِّن سبحانه تعلق الأمر بالمشيئة!
وكذلك فى قوله تعالي: “كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ”، وقوله تعالي: “إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ”.
فَلمّا شاء هؤلاء الاستقامة، والهدى وسلوك سبيل الله، قال تعالى إنه زادهم مما اختاروه، وسعوا إليه:
“وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ”، و”وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى”، و”إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى”.
ولما شاء الطرف الأخر الضلالة، والزيغ وسلوك سبيل الظالمين قال تعالى إنه زادهم مما اختاروه، وسعوا إليه:
“فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً”، و “وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ”، و “قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَانُ مَدًّا”، و “وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ”.
إذن فقضاء الله هنا ترتب علي اختيارات الناس، فكيف سيقول الله عن نفسه ذلك بكتابه، ثم يقول لرسوله شيئًا مختلفًا تمامًا ينقض ما قرره كعقيدة ثابتة للناس؟!
القتال فى الإسلام قتال دفاعى فقط:
ثم إن هؤلاء قد جهلوا حقيقة القتال فى الإسلام؛ فقد قرر المولى سبحانه بعض الحقائق التى غابت عن أهل الحكايات وذلك كقوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ”.
فبَيَّنَ سبحانه أن كفرة أهل الكتاب (لا مؤمنيهم) والمشركين هم شر البرية، ثم قال عنهم بعد: “مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ”.
إذن فالبغض شديد حتى إنهم سينقضون على المؤمنين لإهلاكهم: “كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ”.
فهؤلاء وأمثالهم لا يوجد عند بعضهم ما يمنعهم من التعرض للمسلمين بالأذى والإهلاك لو استطاعوا؛ فطالما تمكنوا من قتال المسلمين وظنوا أن الغلبة قد تكون لهم فسيقومون بالمحاولة تلو الأخرى: “وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ”.
ثم هم بدأوا أول مرة، وحاربوا الرسول: “أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِءاخراجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ”.
ومن هذا المنطلق فقد جاء الأمر الإلهى والتشريع الربانى بقتال الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وذلك لمنع أذاهم أن يصل إلى المسلمين أو إلى غيرهم.
فالقتال هنا إنما شُرع لضمان حرية الاختيار للجميع فهى لا تتعارض مع الأية “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” بحال .
ولذا نجد المولى سبحانه يقول فى موضع ءاخر: “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ”.
وهو ينضوى تحت الحكمة الربانية: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا”.
والقتال هنا كان من لوازم حدوث التعادل بين الفرقاء ومن لوازم حياة الجميع . فهؤلاء لا يوجد عند الكثير منهم أية موانع تمنعهم من إيذاء غيرهم بغية القضاء عليهم أو جعلهم توابع لهم ولملتهم . وقد قال المولى سبحانه لعباده المؤمنين:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ”.
فسمى سبحانه القتال الذى دعا إليه المؤمنين أنه محيى لهم بعكس ظاهره لأنه فيه الدفاع عن الجميع .
والقتال فى جميع الأحوال هو قتال دفاعى بغرض ضمان تحييد الدعوة وكف الأذى لكى يتمكن كل عابد من العبادة فى أمان، ولكى تتضح الرؤية أمام الناظر. وبذلك يتم الوعد الحق الذى وعده الله لعباده الصالحين:
“وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا” .
والاستخلاف هنا هو إزاحة البعض ووضع ءاخرين مكانهم .
ثم إن هذا القتال الدفاعى الذى وضَّحَتّهُ الأيات قد سبقته دعوة لطيفة هادئة حسنة:
“ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”.
وإن العجب من أهل الحشو ليزداد مع كل بيان نورده هنا، وليس هناك أعجب من قولهم هنا بنسخ ءاية السيف للأية “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”، بينما هى (بفرض وجود النسخ بمعناه الوهمى عندهم) قد جاءت معللة كما هو واضح فيها: “قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ”، فكأنى بهم يقولون: نُسخت الأية واختلط الرشد بالغى (6)!
ونفس الذى قلناه هنا فى تفنيد عقيدة الإكراه فى الدين هو الذى يُفَنِّد عقيدة قتل المرتد أو إكراهه على العودة فى أية ملة . بل إن الله تعالى ذكر الارتداد فى كتابه فقال سبحانه:
“إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ”.
“وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالأخرةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”.
فبَيَّن سبحانه سبب وعاقبة الارتداد ولم يُنشيء حكمًا دنيويًا بالقتل، أو التعذيب، أو الاستتابة . . الخ كما افترى الخَلَف.
وقال سبحانه: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءآمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”.
فهو سبحانه هنا يخاطب المؤمنين يُرَغبهم بالتمسك بدينهم، إذ إنه سبحانه يُحبهم كما يُحبونه، فإذا حدثت الردة، فسيستبدلهم الله تعالى بقوم ءاخرين يحبهم ويحبونه، ولم يذكر سبحانه أى عقوبة دنيوية لفاعل ذلك كما زعم المؤمنون بالقرآن وغيره .
وقال سبحانه: “كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.
ولم يذكر سبحانه أيّة عقوبة دنيوية لفاعل ذلك كما زعم المؤمنون بالقرآن وغيره. وإنما فتح لهم باب التوبة لا القتل. واستثنى من قبول التوبة الذين تعمقوا فى الردة؛ فقال:
“إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ”.
وأيضًا لم يوقع عليهم عقوبة دنيوية كما زعم المؤمنون بالقرآن وغيره.
وكذلك قال تعالى: “يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالأخرةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ”.
الذى يُبَيِّن نصًّا أن عقوبة الله تعالى للذين كفروا بعد إسلامهم ثم لم يتوبوا فسيعذبهم الله تعالى بأقداره لا بأحكامه فى الدنيا، ومعلوم أن العذاب غير القتل!
ثم إنه تعالى قال: يتوبوا، ولم يقل: يُستتابوا، وبينهما فرق واضح. والتوبة غير مشروطة بمدة، بينما الاستتابة شرطها المؤمنون بالكتاب وغيره بأيام ثلاثة.
إلا أنَّ الخَلَف قالوا كذبًا: إن الله قد أمر الرسول (ص) أن يُقاتل الناس ليدخلوا فى الإسلام، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وإن لم يدخلوا فى الإسلام فدماؤهم وأموالهم حلال مستباحة .
وعليه شُرِعَت حروب الفتوحات المسماة زورًا بالإسلامية، وفيها يبدأ المتمذهبون بقتال غيرهم من أصحاب الملل والنحل وسفك دمائهم، واستعباد أو قتل أسراهم، وتوزيع نسائهم وأطفالهم على المقاتلين (كغنائم، وسبق عرضه) بحجة الجهاد المفترض عليهم كفرض كفاية (يأثم الكل لو تركه البعض)، ثم لصقوا كل هذا الكذب للصحابة (7)!!!
وللحديثِ بقيّةٍ!
الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ انظر: البخارى (ح 25،392،2946،6924)، ومسلم (ح 32،33،34،35،36) .
ونظرًا لفساد الرواية فقد قال الشراح أقوالاً عجيبة لصرف النصّ عن معناه، ومن ذلك:
ـ فقال الإمام أبو سليمان الخطابى فى معالم السنن (2/3 ـ 10):”إنما هم أهل الأوثان”.
ـ وقال عياض:”المراد بهذا مشركوا العرب وأهل الأوثان ومن لايوحد”(شرح النووى لمسلم 1/286) .
ـ وقال ابن دقيق العيد:”لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل”.
ـ وقال ابن حجر:”فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد فكيف ترك قتال مؤدى الجزية والمعاهد ؟ فالجواب من أوجه . أحدهما دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرا عن هذه الأحاديث بدليل أنه متءاخر عن قوله تعالى:”اقتلوا المشركين”. ثانيها: أن يكون من العام الذى خص منه البعض لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح فى العموم .ثالثها: أن يكون من العام الذى أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس فى قوله:”أقاتل الناس”، أى المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائى بلفظ:”أمرت أن أقاتل المشركين”. فإن قيل: إذا تم هذا فى أهل الجزية لم يتم فى المعاهدين ولا فيمن منع الجزية، أُجيب بأن الممتنع فى ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما فى الهدنة، ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية بدليل الأية”. رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله، وإذعان المخالفين، فيحصل فى بعض بالقتل وفى بعض بالجزية وفى بعض بالمعاهدة . خامسها: أن يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها . سادسها: أن يقال الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، وهذا أحسن ويأتى فيه ما فى الثالث، وهو ءاخر الأجوبة”اهـ .
2ـ انظر على التوالى: صحيح البخارى (ح 2222، 2476، 3448، 3449)، وصحيح مسلم (ح 242،243)، والمسند لأحمد (2/ 240، 272، 538، 540)، والسنن الكبرى للبيهقى (1/ 244، 9/ 180)، ومصنف عبد الرزاق (ح 20140)، وشرح مشكل الآثار للطحاوى (103، 104)، وسنن الترمذى (ح 2233)، والإيمان لابن منده (407)، والمسند الحميدى (1097)، وسنن ابن ماجه (ح 4078)، والشريعة للآجرى (380) .
3ـ انظر على التوالى: مسند أحمد (2/437)، وصحيح ابن حبان (15/225)، والشريعة للآجرى (380)، وصحيحى البخارى (ح 3448)، ومسلم (ح 243)، ومسند أحمد (ح 7843).
4ـ انظر على التوالى: تفسير ابن كثير (1/552 ـ الأية 159 النساء)، و(1/546)، وشرح النووى لمسلم (2/250)، ومعالم السنن للخطابى (4/321)، وفتح ابن حجر على البخارى (الفتح 6/567 ـ ح 3449)، والكوكب الدرى ـ شرح الكرمانى على البخارى (14/87)، ولوامع الأنوار للسفارينى الحنبلى (2/95)، وعمدة القارى ـ شرح العينى على البخارى (13/28)، (16/39).
5ـ والمولى تعالى شرع هذا الدين وفيه مصالح العباد، فكل ناظر إلى محاسن الشريعة، وقبائح البعد عنها استطاع أن يميز الطريق الواجب عليه اتباعه، لا سيما مع وجود الوعد والوعيد، والشواهد والمعجزات … الخ، فعلى هذا يقع الاختيار . ويتماشى كل من سبق مع العدل والجزاء والثواب والعقاب والحكمة … الخ . ولو كان الإكراه على الدين جائز لكان الكلام على الثواب والعقاب والميزان والكتاب، واليوم الءاخر بتفاصيله… إلى ءاخره هو نوع من أنواع العبث والهزل الذى لا يليق بعظمة وجلال رب العالمين وقدسية أحكامه وحكمة شريعته . فهذه الأية [ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"هى ومثيلاتها لهى أكبر دليل على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف كما يدعى الحاقدون والحاسدون والمستشرقون وأهل الباطل بمختلف مسمياتهم .
6ـ ونحن نرى أن شريعة رب العالمين قد شرعت القتال لتحافظ للإنسان على نفسه ودينه وعقله ونسله، وماله للإبقاء على كلمة التوحيد التى من أجلها كان الإنسان.
ولما كانت الأية قاضية على حجة مدعى الإكراه على الدخول فى أى دين ما . ولما كانت القلوب (العقول) لا سبيل لأحد عليها، فلا يملك أحد منها إلا الظاهر فقط، ولما كان الظاهر لا فائدة منه ترجى، فقد اضطر العديد من الخلف من أهل الحديث إلى الإقرار بذلك؛ فقالوا: وما فائدة دين جاء بالقهر والجبر والقلب يرفضه ؟!
ولنستعرض الآن ما جاء فى هذه الجزئية بتراث علماء أهل الحديث الذين يُصيبون أحيانًا (على سبيل التناقض) وإن شاب كلامهم الخطأ الكثير أيضًا:
ـ البيضاوى:"[لا إكراه فى الدين] إذ الإكراه فى الحقيقية إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه، ولكن [قد تبين الرشد من الغى] تميز الإيمان من الكفر بالأيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية . والكفر غىّ يؤدى إلى الشقاوة السرمدية، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء”اهـ .
ويقول أيضًا: [لكم دينكم] الذى أنتم عليه لا تتركونه [ولى دين"دينى الذى أنا عليه لا أرفضه، فليس فيه إذن فى الكفر ولا منع عن الجهاد ليكون منسوخاً بآية القتال، اللهم إلا إذا فسر بالمتاركة وتقرير كل من الفريقين الءاخر على دينه"اهـ .
ويقول أيضًا:"[أفانت تكره الناس] بما لم يشأ الله منهم [حتى يكونوا مؤمنين". وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء وإيلاؤها حرف الاستفهام للإنكار، وتقديم الضمير على الفعل للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل، فلا يمكن تحصيله بالإكراه عليه فضلاً عن الحث والتحريض عليه"وانظر: تفسير البيضاوى: (1/ 134) . (2/ 627)، (1/ 447) .
ـ أبو حيان الأندلسى: يقول أبو حيان (ست 745 هـ):"ونحوه قوله [ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين] أى: لو شاء لقسرهم على الإيمان، ولكنه لم يفعل وبنى الأمر على الاختيار، والدين هنا ملة الإسلام واعتقاده . . .”، حتى قال:”وبعثة الرسول (ص) الداعى إلى الإيمان ـ هذه الجملة كأنها كالعلة لانتفاء الإكراه فى الدين لأن وضوح الرشد واستبانته تحمل على الدخول فى الدين طوعاً من غير إكراه”وانظر: تفسير أبى حيان المسمى بالبحر المحيط: (2/292) اهـ .
ويقول أيضًا:”أخبره تعالى أنه خلق أهلاً للسعادة وأهلاً للشقاوة، وأنه لو أراد إيمانهم كلهم لفعل، وأنه لا قدرة لأحد على التصرف فى أحد، والمقصود بيان أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا له تعالى، وتقديم الاسم فى الاستفهام على الفعل يدل على إمكان حصول الفعل لكن من غير ذلك الاسم فلله تعالى أن يكره الناس على الإيمان لو شاء وليس ذلك لغيره”اهـ. وتكرر مثل قوله هذا بمواضع عدة، وانظر: تفسير البحر المحيط: (5/ 193) .
ـ ابن كثير: يقول ابن كثير:”أى لا تكرهوا أحداً على الدخول فى دين الإسلام فإنه بيِّن واضح جلى دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول فى الدين مكرهاً مقسوراً”انظر: تفسير المحدث ابن كثير . قلت: والمصيبة أنه عاد وتناقض وأفرد فصلاً بنفس المجلد من كتابه ليبين فيه بزعمه أن عيسى سيكره الناس على الإسلام !
7ـ وكذلك قالوا: إن المسيح عيسى (س) سيرجع إلى الدنيا قبل قيام الساعة، وسيُكره الناس على الدخول فى الإسلام، ويدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام فقط أو السيف!!