جهل المُناظر بضعف حديث: فأعضّوه بهِنِ أبيه
هل فعلاً قام أستاذ الحديث ـ كما قال علي الهواء أمام الألاف ـ بتحقيق الرواياتِ المُنْحَطّة التي لصقها بكلِّ سلاسة للرسولِ، والتي فيها النصّ على العضو الذكرى للأب صراحة، بل وللأم أيضًا؟!
وهَل ـ كما قال الألباني (في السلسلة الصحيحة 1/477) قد عمل بهذا الحديث الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: من اعتز بالقبائل فأعضوه، أو فأمصوه، كما عِند ابن أبي شيبة كما في الجامع الكبير (3/235/2)؟!
هل جهل عبد المهدي كل ما سقته قبلاً وكُلّ ما سأسوقه هُنا مِن تَحقيقٍ لعدد 14 أربعة عشر رواية، ذكر هو بعضها في المناظرة، وهُوَ الرجل المتخصص في أحاديث مذهبه، والقائل في المُناظرةِ بالنصّ: “أنا درست الحديث وصححته”.
وعندما قُلت لهُ أنني درست هذه الروايات وتَبَيَّنَ لي ضَعْفَها سَنَدًا ـ علي مذاهبهم في التحقيق ـ ومتنًا لفسادها معنى، فقال لي:”وإيه انت عشان تضعفه” هل فعلاً كانَ صادقًا في قولِهِ هَذَا؟!
.
هيا نعرف الإجابة، ونستعرض طرق وأسانيد هذه الروايات، ونبين ما جهله المذكور منها وهو يزعم تصحيحه لها:
1 ـ بيان ضعف الطريق الأول وبيان علله:
وهذا الطريق فيه علتان وهما:
العلة الأولى: أن هذا السند تدور طرقه كلها على الحسن البصري. والحسن مدلس من الثالثة (1) فلا عبرة بعنعنته، إضافة إلى تعليقه له بكبرى النسائي.
العلة الثانية: أن عُتى بن ضمرة التميمي السعدى البصرى قد وثقه كل من ابن حبان، والعجلى، وكلاهما من المتساهلين فى التوثيق وبخاصة للتابعين. فيتبقى توثيق ابن سعد له، مع أنه لم يروي إلا أربعة أحاديث منحطة (2). إضافة لأنه لم يوثقه أحد (3)، وأن ابن المدينى قدحه بعلتين، أحدهما الجهالة، والثانية التفرد بروايات عن أُبَيّ من طريق الحسن (4).
2 ـ بيان ضعف الطريق الثاني وبيان علله:
سند هذا الطريق شديد التلف، وفيه أربع علل وهى:
العلة الأولى: أن رواية ابن السني من طريق سعيد بن بشير ـ وهو ضعيف (5).
العلة الثانية: تدليس قتادة: وهو مدلس من الثالثة وعنعن (6).
العلة الثالثة: عنعنة الحسن البصري (وقد سبقت بما يغنى عن إعادة بيانها هنا).
العلة الرابعة: عنعنة مكحول، وهو مدلس من الثالثة وعنعن (7).
3 ـ بيان ضعف الطريق الثالث وبيان علله:
وهذا الطريق فيه علة واحدة وهي: جهالة محمد بن عمرو بن العباس الباهلي (8) الذي لم يوثقه إلا الرافضي الخبيث ابن خراش (9) الذي كان من شتامي الخليفتين أبي بكر وعمر (10). وأيضًا فإن السند الذي نقل به الحافظ الخطيب توثيق ابن خراش هو سند ضعيف لوجود ابن عقدة فيه (11).
هذه هى أسانيد الحديث السافل الذى يلصق لنبي الفضيلة أنه يأمر الأمة رجالاً وإناثًا أن يقولوا لمن يعتز بالجاهلية: “عضّ ذكر أبيك”، أو: “عضّ بظر أمك” !!!
وقد زعم عبد المهدي أنه درس هذه الأسانيد وصححها !!
وأستاذ الحديث بكليّة أصول الدين المدعو بعبد المهدي عبد القادر الذي راح يجعجع بصوت مرتفع ويقول لي فى مناظرتي له عن هذا الحديث: “لكن أنا قلت إنه حديث صحيح”، “وأنا أنا صححته، وصححه ابن حبان”، ويقول معلقًا على تضعيفي له: “مش ضعيف انت ماتنفعشي في الصحيح انت ما تعرفشي تصحح”.
ووالله لو كان تلميذًا عندي لأعطيته صفرًا مكعبًا (3D) في التحقيق، وصفرًا بالسالب لترويجه لمثل هذه الألفاظ السوقية الفاحشة المبتذلة بين طلبة الكلية، وبين الناس على الهواء. وتنسحب هذه الأصفار على كل من النسائي والبخاري وابن السني وكل من أخرج هذا الهراء لدسه في الدين.
حسبنا الله ونعم الوكيل. جعلنا الله تعالى بيننا وبينكم لما بذلتموه من مجهودات خرافية لتشويه صورة الدين، ولتشويه شخص الرسول عند من لا يعرفونه من غير المسلمين.
وأكتفي بهذا القدر الذى ينبئنا بعقلية من نحاورهم، وبدينهم الذي اخترعوه، وبأدب ومفهوم المخالفة عندهم.
وحَسبيَ الله ونِعم الوكيل.
الهوامش:ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ـ وقد أخطأ ابن حجر بتصنيفه للحسن في المرتبة الثانية من المدلسين فهو لا يقل عن كونه من الثالثة.
يقول ابن حجر في مقدمة كتابه للمدلسين وفى بيان مراتبهم:
” المرتبة الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوه له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى ، كالثوري ، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة ” اهـ.
وهذا كما يبدو غير منطبق على الحسن البصري. خاصّة إذا ما استمعنا إلى ما قاله بنفسه (ابن حجر) عن الحسن بنفس الكتاب: ” تعريف أهل التقديس “(56 ـ ت 40 ).
يقول ابن حجر عن الحسن البصري: ” كان مكثرًا من الحديث ويرسل كثيرًا عن كل أحد ” اهـ !!
فهل ما قاله هنا له علاقة بما قدم به من تبيين حال الطبقة الثانية ؟! بالطبع لا. وإنما ينطبق وصف ابن حجر على الطبقة الثالثة ، والتي قال عن أصحابها: ” من أكثر من التدليس “.
إذن فالصحيح هو أن يُصَنف الحسن في الطبقة الثالثة ، لا سيما أنه شبه لهذه الطبقة بأبى الزبير المكي وهو مخرج له بالصحيح مثل الحسن ؛ وإن كان الاحتجاج بهما مع العنعنة هو نوع من التساهل (على مذهبهم) سواء كان فى الصحيح أو غيره. وقد روى الحسن عن عدة من الصحابة زادوا على الثلاثين صحابيًا وهو لم يسمع عنهم ، بل ومنهم من لم يره مطلقًا ، ونص على ذلك المزى فى التهذيب ، وذكر العديد غيره ممن يرسل عنهم. وقد ذكر ابن سعد فى طبقاته القول بأن ما أرسل من الحديث فليس بحجة ، وكذا قال الذهبي في الأعلام (4/ 588) ذاكرًا قول القائل: ” إنما أعرض أهل الصحيح عن كثير مما يقول فيه الحسن عن فلان ، وإن كان مما قد ثبت لقيه فيه لفلان المعين لأن الحسن معروف بالتدليس ، ويدلس عن الضعفاء ” اهـ.
وقد قال ابن سيرين فيما رواه عنه العلائى: ” حدثوا عمن شئتم (يعنى من المراسيل) إلا عن الحسن وأبى العالية ، فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث ” اهـ.
وكذا ما رواه من قول أحمد بن حنبل: ” ليس فى المرسلات شئ أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبى رباح فإنهما يأخذان عن كل أحد ” اهـ.
لذلك فقد عده العلائى من مدلسي الطبقة الثالثة وذكر ذلك فى جامع التحصيل (113).
هذا إضافة إلى أن الحسن يدلس تدليس الصيغ (1) ، وذكره البزار ومثل له فى مسنده فى آخر ترجمة سعيد بن المسيب ، وكذا ذكره ابن حجر فى التهذيب عن البزار (2/269).
ويقول مقبل بن هادي الوادعي فى المقترح إجابة على السؤال 48:
” الذين عرف بأن مراسيلهم شديدة الضعف مثل: قتادة ، ويحيى بن أبي كثير ، والزهري ، والحسن البصري ، فمثل هؤلاء عرف أن مراسيلهم شديدة الضعف ، لا تصلح في الشواهد ولا المتابعات “.
إذا فعنعنة الحسن هنا فى الطريق الذى قال عنه الألبانى: ” فهو صحيح إن كان الحسن سمعه من عتى بن ضمره ” تجعل الحديث مردودًا ولو فى فضائل الأعمال فما بالنا أنه فى قبائح الأعمال ؟!
[2] ـ أحدها هذا الخاص ” بعض العضو التناسلى “.
والثانى خاص ” بوجود شيطان للوضوء يقال له: ” الولهان “. وحديث الولهان هذا قال عنه الترمذى: ” حديث غريب وليس إسناده بالقوى والصحيح عند أهل الحديث “.
قلت: ذاك لأن فيه خارجة وهو متروك ويدلس عن الكذابين ، وفيه عنعنة الحسن !!
إذا فهذا الخبر التالف للولهان غير ثابت.
والثالث أيضًا هو أحد حواديت ألف ليلة وليلة ، ولنستمع إلى ما فيه من خرافات وخزعبلات وإسرائيليات لنتعرف على حواديت عتى بن ضمرة المعنعنة بعنعنة الحسن:
يقول عُتى: إنه سمع أُبىّ بن كعب يقول: إن آدم عليه السلام لما حضره الموت قال لبنيته: إنه يشتهى ثمار الجنة ، فلما ذهبوا ليطلبوها له (من الجنة بالطبع) استقبلتهم الملائكة بالأكفان والحنوط ومعهم الفئوس والمساحي والمكاتل ، فقالوا لأولاد آدم: إلى أين ؟ قالوا: نريد أن نحضر بعض ثمار الجنة لأبينا المريض ، فقالوا لهم: ارجعوا فقد قُضى قَضاء أبيكم.
فلما رأتهم حواء عرفتهم ، فلاذت بآدم ، فقال (آدم): إليك عنى إليك عنى ؛ فإني إنما أُتِيتُ من قِبَلِك ، خلى بيني وبين ملائكة ربى تبارك وتعالى (أى أنها تمنعهم عن قبض روحه).
وهذه القصة الخائبة لا تصح بحال ، وهى من زيادات المحدث عبدالله على مسند الإمام أحمد بن حنبل (5/ 136 ـ ح 20734) !
أما الحديث الرابع فهو حديث تشبيه الدنيا بمطعم ابن آدم.
فيتبقى أن الذى وثقه (وهو محمد بن سعد) وثقه من أجل حديث العضّ هذا !!
[3] ـ فقد ذكره ابن أبى حاتم فلم يذكر فيه جرحًا أو تعديلاً . بل قال: ” روى عن أبى بن كعب ، روى عنه الحسن ” (7/41 ـ ت 228). وذكره ابن حبان فقال (5/286): “يروى عن أبى بن كعب ، روى عنه الحسن “. وذكره الخزرى فى التذهيب (2/326) فقال: ” عن أبى بن كعب ، وعنه الحسن البصرى. وثقه ابن سعد ” ، وكذا فى الخلاصة (305).
[4] ـ الأولى: أنه قال عنه ” عتى ابن ضمرة السعدى مجهول ” ، وقال: ” لا يعرف “. والثانية: أنه قال عنه: ” سمع من أبى بن كعب أحاديث لا نحفظها إلا من طريق الحسن “. وإن كان قال عن حديثه: ” إنه يشبه حديث أهل الصدق وإن كان لا يعرف” فهذا مردود بما أظهرته هنا من مروياته لم تتعد الأحاديث المذكورة.
[5] ـ قال عنه يعقوب بن سفيان فى المعرفة والتاريخ (2/124): ” سألت أبا مسهر عن سعيد بن بشير فقال: لم يكن فى جندنا أحفظ منه ، وهو ضعيف منكر الحديث ” اهـ. وذكر المزى فى التهذيب قول سعيد عبد العزيز فيه: ” إنه كان حاطب ليل ” اهـ. وتركه عبدالرحمن بن مهدى بعد أن كان يحدث عنه أولاً ، وانظر التهذيب للمزي (10 / 353) ، وذكر أيضًا نقل ذلك عن أحمد ابن حنبل. وقال الميمونى: رأيت أبا عبدالله (أحمد ابن حنبل) يضعف أمره. وقال يحي بن معين فيه: ” ليس بشئ ” ، ومرة ” ضعيف “. وقال على بن المدينى: ” كان ضعيفًا “. وقال محمد بن عبدالله بن نمير: ” منكر الحديث ، ليس بشئ ، ليس بقوى الحديث ؛ يروى عن قتادة المنكرات ” اهـ. قلت: وهو هنا يروى عن قتادة… فتأمل. وذكره أبو زرعة فى كتابه الضعفاء. وقال عبدالرحمن بن أبى حاتم: ” سمعت أبى ينكر على من أدخله فى كتاب الضعفاء وقال: يحول منه ” اهـ. وأرجع ذلك البخاري إلى حفظه. وقال النسائي: ضعيف. وعده البعض من الحفاظ ، إلا أنه فى الجملة ضعيف حاطب ليل فعلاً وذلك بروايته لمثل هذه المنكرات التى ينكرها القلب ، بل ويقشعر منها.
وقد وافق الألبانى الأئمة فى هذا فقال: ” فيه سعيد بن بشير وفيه ضعف ، ولعله وهم فيه ” اهـ. فدعك من موافقته لابن عدى فى الصحيح عنده (4/ 381 ـ 1778) عندما نقل عنه: ” أخرجه ابن عدى وقال: غريب ولا أرى بما يروى عن سعيد بن بشير بأسًا ” (انتهى ما نقله الألبانى فى صحيحته ) ولم يعترض الألبانى على هذا فى ذاك الموضع ذهولاً منه ، وإلا فهو مواظب على الإشارة إلى ضعف سعيد هذا كما قال بعدها بصفحات ( 4/ 555): “و سعيد بن بشير ضعيف ” اهـ ، و (4/ 409): ” وهو ضعيف ” اهـ.
[6] ـ وهو قتادة بن دعامة السدوسى ، وهو ثقة ثبت مشهور بالتدليس ، ذكره به جماعة ، وهو من المرتبة الثالثة التى لا تقبل أحاديثها إلا فى حالة التصريح بالسماع.
يقول ابن حجر فى مقدمة رسالته فى المدلسين عن المرتبة الثالثة: ” من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا ، ومنهم من قبلهم ” اهـ. ثم ذكر قتادة فى الترجمة السادسة والعشرين من المرتبة الثالثة فقال: ” مشهور بالتدليس ، وصفه به النسائي وغيره “.
هذا وقد ذكر تدليسه بخلاف من ذكرت: ابن حبان ، وشعبة ، والحاكم ، والخطيب ، والحلبي ، والعلائى ، والذهبي وغيرهم. وسُئل أبو حاتم الرازي من ابنه: قتادة عن معاذ أحب إليك ، أو أيوب عن معاذة ؟. فقال: ” قتادة إذا ذكر الخبر ” اهـ. أى إذا بيّن السماع.
وكذا قال الذهبى: ” هو حجة بالإجماع إذا بين السماع ؛ فإنه مدلس معروف بذلك ” اهـ.
وقد قال بذلك الألبانى (ولا خيار له) فقال مثلاً فى سلسلة الضعيف عنده (2/ 106 ـ ح 652):” وقتادة فيه تدليس وقد عنعنة “.
فلا تلتفتن إلى ذهوله (وما أكثره) ، مثل قوله فى سلسلة الضعيف عنده (4/ 409 ـ ح1935) عن حديث ذكره وفيه:” عن سعيد بن بشير عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس به. ورجاله ثقات غير سعيد بن بشير وهو ضعيف ” اهـ.
ويساويه بل ويزيد عليه قوله بنفس المجلدة (435 ـ ح1965) عن حديث من طريق هشام ، وفيه: عن قتادة عن أبى الخليل عن صاحب له عن أم سلمة مرفوعًا ، فيقول الألبانى: ” قلت: ورجاله كلهم ثقات غير صاحب أبى خليل ولم يسم فهو مجهول ” ثم قوله فى الصفحة التى تليها (436) عن سند قال فيه: ” عن قتادة عن صالح أبى الخليل عن مجاهد عن أم سلمة به. وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن رفاعة.. ” اهـ.
فهو هنا أيضًا غافل تمامًا عن عنعنة قتادة التى أعل بها فى مكان آخر روايات أخرى كما فى الصحيحة وغيرها. وقد توهم الشيخ أيضًا كما قال فى الصحيحة عنده (5/ 614): ” تدليس قتادة قليل مغتفر ، ولذلك مشاه الشيخان واحتجا به كما أفاده الذهبى ” اهـ.
فهل فى بيان أبى داود فى رده على سؤالات الآجرى وقوله: ” حدث عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم ” غناء له عن الاستطراد فى تذكيره أو إعلامه ؟!
وهل فى قول الذهبى فى ميزانه (3/385 ـ ت6864): ” حافظ ثقة ثبت ، لكنه مدلس ورمى بالقدر ؛ قال يحي بن معين ، ومع هذا فاحتج به أصحاب الصحاح لا سيما إذا قال حدثنا ” اهـ. أقول: هل فى هذا توضيح لما وهمه فيه من قول الذهبى ؟!
بل لقد قال الشعبي فيما ذكره الذهبى وغيره: ” قتادة حاطب ليل ” !.
وقال ابن حجر عنه فى تعريف أهل التقديس (102): ” وهو مشهور بالتدليس ” ، وهو رد كافٍ على قول الألبانى: ” لذلك لم يترجمه الحافظ في التقريب بالتدليس ” ؟!
إذن: فقتادة هو مدلس من الثالثة ، لا يؤخذ بروايته إلا ما صرح فيها بالتحديث ، وتذبذب الألبانى فيه وتناقض كما رأينا ، ولذا خفيت عليه العلة الثانية لهذا الطريق كما رأينا.
[7] ـ وهو الشامي أبو عبد الله الفقيه ، ثقة ولكنه مدلس من الثالثة وعنعن. وقد ذكره ابن حجر في كتابه عن المدلسين (113 ـ ت108/42) وعده في الطبقة الثالثة. ووافق علي هذا الشيخ الألباني في أماكن عدة من مصنفاته. فقال في صحيحته (3 /341 ـ ح 1356): ” ومكحول وابن إسحاق مدلسان وقد عنعناه فأنى له الحُسن فضلاً عن الصحة ” اهـ.
ثم في الصفحة التالية مباشرة: ” قلت (الألبانى): هو حسن الإسناد لولا عنعنة مكحول “.
وكذلك ما قاله بالصحيحة عنده (2/19 ـ ح 506): ” قلت (الألبانى): وهذا إسناد رجاله ثقات غير أن مكحولاً وأبا رجاء مدلسان وقد عنعنا ، ومنه تعلم أن قول البوصيري في الزوائد: هذا إسناد حسن ، فغير حسن “. ثم بنفس المجلدة (644 ـ ح 934): ” لكن مكحولاً مدلس “.
وبصحيحته (4/581 ـ ح 1941): ” ولعل ذلك من مكحول نفسه فإنه موصوف بالتدليس“.
وبضعيفته (3/145 ـ ح 1041): ” إن مكحولاً قد رمى بالتدليس ورواه بالعنعنة كما سبق“.
وكذلك ما قاله فى نفس المجلدة (645 ـ ح 1448): ” ومكحول هو الشامى هو إن كان سمع من واثلة ، فإنه موصوف بالتدليس ، فمثله يتحفظ من حديثه المعنعن كهذا ” اهـ.
فلا التفات لما قاله هنا عن سعيد بن بشير ، وغفلته عن عنعنة قتادة وهو مدلس من الثالثة ، وعنعنة الحسن وهو مدلس من الثالثة ، وعنعنة مكحول وهو كما رأيت مدلس من الثالثة !!
وعجر بن مدراع التميمي لم أقع عليه فيما تحت يدي من مريجعات ، فربما لو تبين لي حال عجر هذا لوضحت علل أخرى بخلاف ما سبق ، وإن كانت أى واحدة من هذه العلل الأربعة كافية ليُعلل بها الحديث ، فتأمل !!
[8] ـ وهذا الطريق يرويه عبد الله بن أحمد ، عن محمد بن عمرو ابن العباس الباهلي ، ومحمد هذا ذكره ابن حبان في ثقاته (9/107) فقال: ” يروي عن ابن عيينة ” ، وقال محققه: ” لم نظفر به “. وواضح إلي هنا أنه ما زال مجهولاً ، فإن إخراج ابن حبان له لايقدم ولا يؤخر الإ إذا فصل فيه وبين. إلا أن محمد الباهلي هذا قد روي عنه جماعة ، ولكن روايتهم عنه لا توثقه كما هو معلوم لمن له أدنى دراية بآراء النقاد المعتبرة (حسب مذهبهم). أما قول محقق الثقات إنه لم يظفر به فلا يعنى بالطبع انتهاء البحث. بل قد ترجم له الخطيب فى تاريخه (3/127 ـ ت 1145) ولكن لم يذكر فيه إلا رواية البعض عنه ، وقول ابن خراش فيه بالتوثيق.
[9] ـ ولكن توثيق ابن خراش لا يفرح به كما لا يحزن بجرحه. فهو يجرح بالهوى وبه يوثق فضلاً عن كونه رافضى خبيث ، ألف كتابين فى أنتقاص الخليفتين أبى بكر الصديق ، وعمر ابن الخطاب ، وقبض ألفى درهم أجازه بهم بندار ، فأراد ان يبنى بهم غرفة ليُحَدِّثَ بها ، فمات قبل تمامها. وهذا لايمنع معرفته وعلمه ، ولكنه لاقيمة ولا اعتداد بحكمه على أحد منفردًا سواء بالجرح أو التعديل.
وقد اغتر بتوثيق ابن خراش للباهلى بعض المحققين المعاصرين. ومنهم الشيخ شعيب الأرنؤوط فى تحقيقه للإحسان فقال عن حديث هناك برقم (2495): ” إسناده صحيح ، محمد بن عمرو بن العباس الباهلى روى عنه جمع ، وذكره المؤلف فى الثقات (9/107) ” ، إلى أن قال: ” وترجمه الخطيب فى تاريخه ونقل توثيقه عن عبد الرحمن بن يوسف ” اهـ.
قلت: وهذا تساهل عجيب من الشيخ شعيب وهو الذى ينعى ذلك على غيره. بل إن هذا لا قيمة له عند المحققين الذين يعلمون أن السنة زيد فيها ما ليس منها فتوجب الاحتياط فى القبول ، وأين يا شيخ من وثقه بخلاف هذا الرافضي الهالك ؟ والذي قال فيه الأمام ابن الذهبى فى ميزانه (2/600 ـ ت 5009): ” هذا والله الشيخ المعثر الذى ضل سعيه ” ، وبعدها: ” فلا عتب على حمير الرافضة “. وكذا قال ابن حجر فى اللسان (3/540 ت5095) !
أم أن روح ابن عدى فى التفاؤل قد انتقلت لمحققى عصرنا ؟!
وكذا فعل الشيخ عبد القدوس بن محمد نذير محقق مجمع البحرين (5/ 288ـ ح 3082) فقال عنه: ثقة ، ثم نقل رقم مجلدة تاريخ بغداد !! والله المستعان على بيان هذه الأحوال لمن يعتبرون أنفسهم أهل التحقيق ولبقية القراء.
إذا فابن خراش صاحب هوى يضعف موقفه فى التوثيق والتضعيف منفردًا (طبقًا لمذاهبهم).
وليس معنى ذكر الذهبى له فى رسالته: ” ذكر من يعتمد قوله فى الجرح والتعديل ـ الطبقة السادسه ت 364) أنه يوافق على انفراده ؛ بل إذا انضم له من يوافقه من المعتبرين.
[10] ـ وابن خراش بخلاف كونه رافضيًا خبيثًا فهو ممن لا يوثق بقولهم بحال. ولكن المسكين لما تجارت به الأهواء ، صار يطعن الثقات ، ويرد الأحاديث المشهورة ؛ فنزل (طبقًا لمذهب المحدثين) بنفسه عن درجة من يؤخذ بقولهم (منفردين) ، ثم ظل حاله هكذا حتى نفقت بضاعته ، وراح يطلب العز والفضل فى سب الشيخين أبى بكر وعمر بن الخطاب وغيرهما من الصحابة الكرام. ولذا فقد قال فيه أبو زرعة (الجرجاني): ” أخرج مثالب الشيخين ، وكان رافضيًا ” وانظر سؤالات السهمي للدارقطنى (241 ـ مسألة 341) وهذا وحده تنفير ليس بعده تنفير (طبقًا لمذهب من يعتمدون الرواية في الدين) ، إلا أنه بخلاف ذلك فقد اشتهر ببعض البلايا الأخرى: فقد كان ابن خراش يصل المراسيل ، وكان يرفع الموقوفات. ذكره بكل ذلك: الذهبي في التذكرة: (2/685) ، والديوان: (2/108 ت 2504). والميزان (2/ 600 ـ ت 5009) ، والمغنى: (1/551 ـ ت 3660) ، وابن الجوزى بالضعفاء: (2/102 ـ ت1912) ، وابن حجر فى اللسان: (3/540 ـ ت 5095) ، وغيرهم. ورفض انفراده بالنقد جماعة منهم: ابن حجر: كما فى هدى الساري (453 ـ ترجمة عمرو بن سليم الزرقى الأنصارى) فقال:
“قلت (القائل ابن حجر) ابن خراش مذكور بالرفض والبدعة فلا يلتفت إليه “. وغير ذلك مواضع أخرى كلها بنفس المعنى.
الذهبى: كما فى الميزان فى ترجمة أبى سلمة المنقرى. قال الذهبى مخاطبًا ابن خراش:
” نعم تكلموا فيه بأنه ثقه ثبت يا رافضى ” ، وغير ذلك أيضًا مثله. ولذا فقد تناوله أيضًا بعض الأئمة للتحذير منه والتنفير من مسلكه ، فقال ابن ناصر الدين فيه (فى بديعة البيان):
لابن خراش الحالة الرذيلة :: ذا رافضى جرحه فضيلة
وانظر الشذرات (2/184). وقال الذهبى فى التذكرة (2/685): ” فأنت زنديق معاند للحق فلا رضي الله عنك “.
[11] ـ وابن عقدة هو: أحمد بن محمد بن سعيد أبو العباس الهمدانى ابن عقدة الكوفى.
قال عنه عبدالله بن أحمد بن حنبل: ” منذ نشأ هذا الغلام أفسد حديث الكوفة “. وقال عبدان الأهوازى: ” ابن عقدة قد خرج عن معانى أصحاب الحديث ولا يُذْكَر حديثه معهم “.
وذكر أبو الحسن التمار عثور ابن عقدة على جزء ثم ذهابه إلى أحد المخنثين وتسميته بجد من جدوده (وهمي) وإعطائه الجزء ، ثم طلبه أن يعيده إليه ، ثم قوله بعد ذلك: ” دفع إلى فلان بن فلان كتاب جده فكان فيه كذا وكذا “.. الخ.
وقال أبو بكر بن غالب: ” ابن عقدة لا يتدين بالحديث ، لأنه كان يحمل شيوخًا بالكوفة على الكذب ، يسوي لهم نسخة ويأمرهم أن يرووها “. ونقل عنه ابن عراق في التنزيه اتهام ابن الجوزي له بالوضع. وذكره الحلبي فيمن اتُهِم بوضع الحديث. وانظر: تاريخ بغداد: (5/14 ت 2365) ، وتذكرة الحفاظ: ( 3/839 ت 820) والموضوعات لابن الجوزي: (1/356)، واللسان لابن حجر: (1/289 ت 818) ، والمغني في الضعفاء: (1/98 ت 422) ، وضعفاء ابن الجوزي: (1/85 ت 242) ، والكشف الحثيث للحلبي: (52 ت 78).