جهل المُناظِر بأية النِساء
رَدَّدَ عبد المُهدي في المُناظرةِ قول اللهِ تعالي: “وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا”، وهُوَ لا يدري عَنها شيئًا، ولطالما استخدمها أعداء القرءان مِن أهل الفِرق باعتبار أن كُلّ فريق مِنهم هم الذين على هدى، وأن مخالفهم هو الضالّ الذي يشاقق الرسول، دون أن يدروا كُلَّهم أن هذه الأية تنطبق عليهم انطباق البصمة على إبهام صاحبها:
1 ـ فالأية هى إحدى ءايات سورة النساء، وسورة النساء لم يأتِ بها (ولا بغيرها) ولا لمرة واحدة أن هناك مصدر ءاخر غير القرءان، وإنما جاء بها ذكر الكتاب خمسة عشر مرة. إحداها تَتَحَدَّثُ عن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، وهم الذين يأخذون ببعض الكتاب ويتركون بعضه، ويجسدهم في عصرنا المتمذهبة على أطيافهم، فكل فريق منهم يأخذ من القرءان ما يوافق مذهبه ويترك منه ما لا يوافقه، ولذا قال تعالى فيهم: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ“. وسبب الضلالة هنا هو اتباعِهم الظنّ بجميع سبله وطرقه، وفي ذلك يقول مولانا: “وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ”.
إذن فالذين سيشاقّون الرسول سيتبعون الظنّ ويتركون القطعيّ الذي أنزله الله تعالى يقينًا، وهو كتابه، فالأية تنطبق على الأستاذ المعتزي بها دون أن يفقهها.
2 ـ ثمّ يقول سبحانه في موضع ءاخر بنفس سورة النساء:
“يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا”.
ودون جهد فنجد هنا أن الذي مع الذين أوتوا الكتاب هو الكتاب، والذي أنزله الله تعالى هنا مصدقٌ للكتاب الذي معهم هو كتابه أيضًا، ولو كان أستاذ الحديث يعير القرءان انتباهًا لارتعب من الأية التي تحذر من يُشاقق الرسول، ويتبع غير سبيل المؤمنين.
3 ـ ثم يقول سبحانه بنفس سورة النساء عن الكتاب: “وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا”.
أي أن الكتاب هو المرجع للمستفتي، ولكن الظالمون لهم قلوب غليظة لا تفقه.
ثم يُبَيّنُ سبحانه ـ بنفس السورة ـ سبيل المتقين الذي ضَمَّنَهُ الأية التي اعتزى بها عبد المهدي فقال: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا”.
إذن فسبيل المؤمنين هنا ـ نصًّا ـ هو: الإيمان بالله، والإيمان برسول الله، والإيمان بالكتاب الذي أنزله على رسوله، والكتاب الذي أُنزل من قبل، والإيمان بالملائكة، والإيمان باليوم الآخر كما عرفنا به الله تعالى بكتابه.
ولكن المذكور لا يتدبر الكتاب، مع أن نفس السورة (التي راح يقتنص منها ما حسبه له وهو عليه) فيها:
“أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقرءان وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا”.
فهو لا يتدبر القرءان، بنفس الوقت الذي ينشغل فيه بالاختلاف الكثير الذي يكتظ به تراثه الذي اعترف سلفه بأنه ظنّ بحت. ولذلك فنحن نصدر هنا كتابنا بذات الأية ولكن على علم، ونقول: “وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا”.