اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَي هُوَ النُّورُ، وَالنُّورُ بِهِ تَنْجَلِي الحَقَائِقُ. وَأَفْعَالُ اللهِ تَعَالَي ءَاليِّاتُ نُورٍ تُظْهِرُ الحَقَّ، وَتُبَدِّدُ الظُّلُمَاتُ. وَالطَّاغُوتُ هُو أَصْلُ البَاطِلِ. وَالبَاطِلُ هُوَ ظُلُمَاتٌ تُحَاوِلُ طَمْسَ الحَقَائِقِ. وَأَفْعَالُ الطَّاغُوتِ هِيَ ءَاليِّاتُ سُوءٍ تُحَاوِلُ احْتُوَاءَ النُّورِ وَنَشْرَ الظُّلُمَاتِ.

.

لاَ يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ هُنَاكَ صِرَاعًا بَيْنَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ؛ فَلَا يُوجَدُ أَيُّ تَكَافُؤٍ بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَسْتَوِيَانِ أَبَدًا:

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴿١٩﴾ وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ﴿٢٠﴾ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ﴿٢١﴾وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَ‌ٰتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍۢ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ ﴿٢٢﴾فاطر.

فَالنُّورُ إِذَا ظَهَرَ يُبَدِّدُ الظَّلاَمَ، وَلاَ يَعُودُ الظَّلاَمُ مَرَّةً أُخْرَى إِلاَّ إِذَا رَحَلَ النُّورُ عَنْ المَكَانِ. فَوُجُودُ الظَّلاَمِ مُتَرَتِّبٌ عَلَي إِرَادَةِ النُّورِ وَرَحِيِلِهِ. وَفِي كَوْنِنَا فَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَي الإِنْسَانَ مُخَيَّرًا فِي اكْتِسَابِ النُّورِ أَوْ إِذْهَابِهِ، وَبِالتَّالِي فَإنَّ الاخْتِيَار أَصْبَحَ مَنُوطًا بِالإِنْسَانِ، فَإِنْ فَعَّلَ نَفْخَ الرُّوحِ، وَاخْتَارَ لِنَفْسِهِ تَقْوَاهَا وَزَكَّاهَا، فَسَيَكْتَسِبُ النُّورَ، الَّذِي سَتَعْمَلُ ءَالِيَّاتُهُ عَلَي تَبْدِيدِ الظَّلاَمِ الَّذِي لَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَي العَوْدَةِ إِلاَّ إِذَا ذَهَبَ النُّورُ بِاخْتِيَارٍ مِنَ الإِنْسَانِ.

.

والطَّاغُوتُ هُو اسْمٌ لَمْ نَكُنْ لِنَعْلَم أَيَّ شَيْءٍ عَنْهُ لَوْلَا أَنْ ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَي بِكِتَابِهِ الكَريِم فَقَالَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ:

ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ أُولَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿٢٥٧﴾“.

نُلاَحِظُ هُنَا مَسْأَلَةَ النُّورِ وَالظَّلاَمِ، وَأَنَّ الطَّاغُوتَ هُمْ مَنْ يَقُومُونَ بإخْرَاجِ الَّذِينَ كَفَرُوا ـ قَبْلَ كُفْرِهِم ـ مِنَ النُّورِ المُتَرَتِّبِ عَلَي الإِيِمَانِ إِلَي الظُّلُمَاتِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَي الكُفْرِ، وَأَنَّه مَجْمُوعَةٌ مُمْتَدَّةُ المَفْعُولِ عَلَي مَرِّ السِّنِين، وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَي: “ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم” وَلَمْ يَقُلْ: “الطَّاغُوتُ يُخْرِجَهُم”.

.

أَيْضًا أَصْبَحَ عِنْدَنَا ـ مِنْ سِيَاقِ الأَيَةِ ـ فِرَقًا مِنَ النَّاسِ: فَرِيِقُ المُؤْمِنِينَ، وَوَلِيُّهُ هُوَ اللهُ تَعَالَي، وَمَدَدُهُ نُورٌ. وَفَرِيِقُ الكَافِريِنَ، وَوَلِيُّهُ هُوَ الطَّاغُوتُ، وَمَدَدُهُ ظَلاَمٌ. وَهَذَا يُعْطِينَا تَسَلسُلاً هَرَمِيًّا وَظِيفِيًا يَقَعُ عَلَي رَأْسِهِ الطَّاغُوتُ، ثُمَّ يَلِيهُ الكُفَّارُ فِي الدَّرَجَةِ الأَدْنَى، ثُمَّ سَيَأتِيَ المُشْرِكُونَ فِي الدَّرَجَةِ الأَدْنَى التَّالِيَةِ كَمَا سَنَعْرِفُ.

.

الشَيْطَانُ هُوَ الطَاغُوتُ الأَكْبَرُ:

وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ قَوْلِ الشَّيْطَانِ بِالأَيَاتِ:

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَـٰثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًا مَّرِيدًا ﴿١١٧﴾ لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴿١١٨﴾وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيًّا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴿١١٩﴾يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴿١٢٠﴾النِّسَآء.

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَ‌ٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ لَءَاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ ﴿١٧﴾الأَعْرَاف.

.

وَقَدَ أَثْمَرَت جُهُودُ الشَّيْطَانِ عَنْ وَحِىٍّ شَيْطَانِىٍّ، صَارَ مَرْجِعًا لِلكُفَّارِ وَالمُشْرِكِيِنَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

…وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴿١٢١﴾الأَنْعَام.

وَكَذَ‌ٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿١١٢﴾ وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴿١١٣﴾ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿١١٤﴾الأَنْعَام.

ثُمَّ أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الوَحْىَ لَهُم، لِيَخْرُجَ النَّاسُ فَيَجِدُوا أَمَامَهُم كِتَابَ اللهِ؛ النُّورَ المُرْسَلَ إِلَيْهِم، كَمَا يَجِدُوا وَحْىَ الشَّيْطَانِ؛ الظَّلاَمَ الكَامِنَ لِيَحْتَوِشَهُم:

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٥٢﴾ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍۢ ﴿٥٣﴾الحَجّ.

وَعَلَيْهِم أَنْ يَخْتَارُوا أَىُّ الفَرِيِقَيْنِ أَهْدَى سَبِيِلاً.

يَتْبَع .

.

تَحَرَّرَ فِى لَيْلِ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ 6/11/2014 سعة 1.14 ص

التَّعْلِيَقَاتُ مَفْتُوحَةٌ فِى المَقَالِ الأَخِيِر بَعْد اكْتِمَالِ المَوْضُوعِ

المَقَالُ السَّابِقُ: لاَيُوجَد

المَقَالُ التَّالِى: تَحْت الإِنْشَآءِ

شَارِكْنَا
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Youtube
Contact us