الأَيَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِىَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا۟ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَ‌ٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا۟ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا (15)الفَتْح.

1 ـ فَنَجِدُ أَنَّ الحَسَدَ هُنَا فِى الأَيَةِ مَذْكُورٌ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ ادِّعَآءٍ مِنَ المُنَافِقِيِنَ، يَلْصَقُونَهُ بِالمُؤْمِنِيِنَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِحُكْمِ اللهِ عَلَيْهِم؛ أَنَّهُم لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا، أَنَّهُ لاَ هُنَاكَ حَسَدٌ وَلاَ فِعْلٌ. وَبِالتَّالِى فَإِنَّ الأَيَةَ لاَ تُفِيِدُ فِى بَيَانِ الحَسَدِ.

2 ـ كَمَا نَجِدُ أَنَّ الأَيَةَ تُبَيِّنُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ سَلَفًا بِعَدَمِ خُرُوجِ المُخَلَّفِيِنَ مِنَ المُنَافِقِيِنَ مَع المُؤْمِنِيِن:

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَـٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ (83)التَّوْبَة.

فَحَاوَلَ المُنَافِقُونَ الالْتِفَافَ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْرُجُوا مَعَ المُؤِمِنِيِنَ، لاَسِيَّمَا بَعْدَ أَنْ عَلِمُوا أَنَّ الخُرُوجَ لأَخْذِ المَغَانِمِ، فَلَمَّا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ مَعَ المُؤْمِنِيِنَ، اتَّهَمُوا المُؤْمِنِيِنَ بِأَنَّ المَنْعَ هُوَ أَمْرٌ شَخْصِىٌّ مِنَ المُؤِمِنِيِنَ بِدَافِعِ الحَسَدِ لَهُم عَلَى أَمْوَالِهِم؛ إِذْ المُنَافِقُونَ يَتَمَيَّزُونَ بِالثَّرِاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَ‌ٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا (55)التَّوْبَة.

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَ‌ٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ (81)التَّوْبَة.

سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَ‌ٰلُنَا وَأَهْلُونَا (11)الفَتْح.

فَلَمَّا أَرْجَعَ المُخَلَّفُونَ المَنْعَ إِلَى دَافِعِ الحَسَدِ وَصَفَهُمُ اللهُ بِأَنَّهُم لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيِلاً:

فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا۟ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا“.

فَالاسْتِنْكَارُ هُنَا لَيْسَ لِلحَسَدِ كَمَوضُوعٍ، وَإِنَّمَا لِلزَّجِ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

2 ـ كَمَا نُلاَحِظُ أَنَّ المُنَافِقِيِنَ أَنْفُسِهِم يَفْهَمُونَ المَعْنَى الصَّحِيِحِ لِلحَسَدِ، وَأَنَّهُ لاَ يَعْدُوَا أَنْ يَكُونَ دَافِعًا فَقَط لِمَا بَعْدَهُ مِنْ فِعْلٍ، وَإِنْ كَانَ الفِعْلُ المَذْكُورُ (وَهُوَ المَنْعُ مِنَ الخُرُوجِ) لاَ عِلاَقَةَ لَهُ بِدَافِعِ الحَسَدِ، وَإِنَّمَا تَعَلُّقَهُ هُوَ بِحُكْمِ اللهِ السَّابِقِ بِحْرْمَانِ المُنَافِقِيِنَ مِنَ الخُرُوجِ مَعَ المُؤْمِنِيِنَ بَعْدَ أَنْ رَضُوا بِالقُعُودِ وَاَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ.

الأَيَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِىَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ“.

1 ـ وَنُلاَحِظُ فِيِهَا أَنَّ اللهُ تَعَالَى يَأَمُرُ نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنِيِنَ بِأَنْ يَسْتَعِيِذُوا بِهِ مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ. وَلَيْسَ مِنْ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ.

فَالحَسَدُ كَمَا طَالَعْنَاهُ سَلَفًا هُوَ دَافِعٌ شَيْطَانِىٌّ، يَتَمَلَّكُ صَاحِبَهُ لِيَدْفَعَهُ إِلَى الحَرَكَةِ ضِدَّ المَحْسُودِ، فَيَتَوَلَّدُ الشَّرُّ بِحَرَكَتِهِ وَأَفْعَالِهِ التَّالِيَةِ لِلحَسَدِ. وَطَالَمَا لَمْ يَتَحَرَّكَ الحَاسِدُ فَسَيَتَبَقَّى الحَسَدُ حَسَدًا، وَوُدًّا، وَرَغْبَةً،..الخ. وَلَكِن مَعَ الحَرَكَةِ فِى اتِّجَاهِ الحَسَدِ يَقَعُ الشَّرُّ، قَوْلاً وَعَمَلاً؛ فَجَاءَت الاسْتِعَاذَةُ مَعَ الحَرَكَةِ، وَمَا يُصَاحِبُهَا مِنْ شَرٍّ. وَلَوْ كَانَ الحَسَدُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ كَمُؤَثِّرٍ لَقَالَ اللهُ تَعَالَى: “وَمِنْ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ”، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ قَالَ: “وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ”، لأَنَّ الحَسَدَ لَيْسَ مُؤَثِّرًا بِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا بِمَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ حَرَكَةٍ شِرِّيِرَةٍ، تَجْلُبُ الشَّرَّ… يَتْبَعُ .

شَارِكْنَا
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Youtube
Contact us

ردا على “الحَسَدُ 3

  1. محمد

    سلام وتقدير أستاذ كلامك واضح …ولكن ما تفسيرك لظواهرحقيقة حدثت وتصدر من أشخاص بعينهم مرارا….تحياتي

أضف تعليقاً

نحتفظ بسرية الايميلات المدخلة لدينا لن يتم نشر بريدك الالكتروني او بيعه هذه الحقول مطلوبة *

يمكنك استخدام HTML بالاوسمة والتضمينات: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

اعادة الضبطنفذ