الوُحْدَةُ المَوْضُوعِيَّةُ لأَيَاتِ الكِتَابِ:

يَعْلَمُ المُتَدَبِّرُ لأَيَاتِ كِتَابِ اللهِ أَنَّهُ ـ بِعَكْسِ كِتَابَاتِ البَشَرِ ـ لاَ يَأتِيِهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَيَقَعُ فِيِهِ التَّنَاقُضُ، وَمِنْ ثَمَّ فَمِنَ المَفْرُوغِ مِنْهُ أَنْ يَتَمَتَّعَ الكِتَابُ بِالوِحْدَةِ المَوْضُوعِيَّةِ لأَيَاتِهِ، وَهُوَ مَا تَحَقَّقَ فِى الأَيَاتِ الأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ لِلحَسَدِ، مَعَ غَيْرِهَا مِنْ ءَايَاتِ الكِتَابِ كَالتَّالِى:

أَوَّلاً: العِلاَقَةُ بَيْنَ الدِّيِنِ وَالدَّوَافِعِ:

1 ـ كُلُّ مَخْلُوقٍ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَهُ حَرَكَتُهُ، وَمَا دَامَ لَهُ حَرَكَةٌ فَهُوَ لَهُ (لُزُومًا) دِيِنٌ. وَالدِّيِنُ هُوَ نِظَامُ الحَرَكَةِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَبَّانِيًّا، ءَاتٍ مِنَ الخَالِقِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانِيًّا ءَاتٍ مِنَ المَخْلُوقِ. فَإِذَا عَلِمْنَا ذَلِكَ فَقَدْ عَرِفْنَا بِالبَدَاهَةِ أَنَّ المَسَالِكَ سَتَكُونُ مُخْتَلِفَةً، وَسَيَقَعُ بَيْنَهَا الاصْطِدَامُ.

2 ـ وَالحَرَكَةُ (أَىُّ حَرَكَةٍ) يَلْزَمُهَا دَافِعٌ يُسَبِّبُهَا، وَيُنْشِئُهَا، وَيُغَذِّيِهَا لِتَسْتَمِرَّ أَوْ تَتَوَقَّفَ. وَلَكِنَّ هَذِهِ الدَّوافِعُ لَيْسَت مُتَمَاثِلَةً، أَوْ مُتَطَابِقَةً فِى مَنْشَئِهَا. فَمِنْهَا المَادِّىُّ الَّذِى يَتَعَلَّقُ بِالنَّاحِيَةِ الخَلْقِيَّةِ البَيْلُوجِيَّةِ فَقَط، وَمِنْهَا المَعْنَوِىُّ الَّذِى يَتَعَلَّقُ بِالنَّاحِيَةِ الخُلُقِيَّةِ السُّلُوكِيَّةِ. وَأَصْلُ الدَّوافِعِ هِىَ الحَاجَاتُ. فَالحَاجَةُ هِىَ الَّتِى تَدْفَعُ إِلَى الحَرَكَةِ لإِشْبَاعِهَا، كَدَافِعِ الجُوعِ البَيْلُوجِىِّ مَثَلاً؛ هُوَ الَّذِى يَدْفَعُ صَاحِبَهُ لِلحَرَكَةِ لإِشْبَاعِ هّذَا الجُوعِ، ثُمَّ تَأتِى مَجْمُوعَةٌ أُخْرَى مِنَ الدَّوافِعِ لِتُنَظِّمَ حَرَكَةَ إِشْبَاعِ الجُوعِ، كَالدَّافِعِ السُّلُوكِىِّ لِتَحْقِيِقِ الذَّاتِ وَالاعْتِدَادِ بِهَا، الَّذِى سَيَدْفَعُ إِلَى حَرَكَةٍ رَاقِيَةٍ لإِشْبَاعِ الجُوعِ، كَأَنْ يَطْلُبَ العَمَلَ المُسْتَقِيِمَ. فَإِذَا مَا تَعَمَّقَ دَافِعُ تَحْقِيِقِ الذَّاتِ أَكْثَرَ، فَسَيَدْفَعُ صَاحِبَهُ إِلَى طَلَبِ التَّرَقِّى أَكْثَرُ، لِيَكُونَ العَمَلُ أَكْثَرَ رِفْعَةً،…وَهَكَذَا.

3 ـ مِنْ هَذِهِ الاحْتِيَاجَاتِ الأَسَاسِيَّةِ نَشَأ ـ كَمِثَالٍ ـ دَافِعُ التَمَلُّكِ، الَّذِى يُؤَمِّنُ بِدَوْرِهِ هَذِهِ الاحْتِيَاجَاتِ الأَسَاسِيَّةَ، كَالجُّوعِ، وَالعَطَشِ، وَالخَوْفِ، وَذَلِكَ بِتَوْفِيِرِ المَطْعَمِ، وَالمَشْرَبِ، وَالمَسْكَنِ، وَالكِسَآءِ،..الخ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَرْتَقِى الإِنْسَانُ سُلُوكِيًّا تَتَغَلَّبُ احْتِيَاجَاتُهُ الخُلُقِيَّةُ عَلَى احْتِيَاجَاتِهِ الخَلْقِيَّةِ. فَنَجِدُهُ يُضَحِّى بِبَعْضِ مَا يَمْلُكُ، أَوْ كُلُّهُ، بِرَغْمِ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ لَهُ احْتِيَاجَاتَهُ الخَلْقِيَّةَ، لِكَىّ يُشْبِعَ احْتِيَاجَاتَهُ الخُلُقِيَّةَ، كَأَنْ يَهَبُ مَا يَمْلُكُ لِغَيْرِهِ لإِشْبَاعِ مَشَاعِرِ سُلُوكِ الحُبِّ وَالشَفَقَةِ، وَالعَطْفِ..الخ، أَوْ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَا يَمْلُكُ أَوْ بِنَفْسِهِ فِى سَبِيِلِ اللهِ،..الخ، لإِشْبَاعِ رَغْبَةِ سُلُوكِ الحُبِّ، وَالقُرْبِ، والطَّاعَةِ، تَحْصِيِلاً لِلرِّضَا المَعْنَوِىِّ.

كَذَلِكَ إِذَا مَا انْحَطَّ الإِنْسَانُ سُلُوكِيًّا تَتَغَلَّبُ احْتِيَاجَاتُهُ الخُلُقِيَّةُ عَلَى احْتِيَاجَاتِهِ الخَلْقِيَّةِ. فَنَجِدُهُ يُضَحِّى بِبَعْضِ مَا يَمْلُكُ، أَوْ كُلُّهُ، لِكَىّ يُشْبِعَ احْتِيَاجَاتَهُ الخُلُقِيَّةَ، كَأَنْ يَهَبُ مَا يَمْلُكُ لِغَيْرِهِ لِتَمْويِلِ طَائِفَتِهِ المُنْحَطَّةِ مِثْلَهُ، أَوْ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَا يَمْلُكُ أَوْ بِنَفْسِهِ فِى سَبِيِلِ هَوَاهُ، وَحَسَدِهِ..الخ، لإِشْبَاعِ رَغْبَةِ سُلُوكِ الكُرْهِ، والشَّرِّ الَّذِى يَتَمَلَّكَهُ، تَحْصِيِلاً لِلرِّضَا المَعْنَوِىِّ.

4 ـ نَسْتَطِيِعُ أَنْ نَقُولَ أَنَّهُ مِنْ الدَّوافِعِ الأَسَاسِيَّةِ المَعْنَوِيَّةِ الخُلُقِيَّةِ الَّتِى تُحَرِّكُ الإِنْسَانَ دَافِعُ الحُبِّ، وَدَافِعُ الكُرْهِ. وَيَبْذُلُ الإِنْسَانُ حَيَاتَهُ أَحْيَانًا فِى سَبِيِل هَذِهِ الدَّوَافِعِ الخُلُقِيَّةِ السُّلُوكِيَّةِ، كَمَا يَبْذُلُهَا أَحْيَانًا أُخْرَى فِى سَبِيِل الدَّوَافِعِ الخَلْقِيَّةِ المَادِّيَّةِ. وَلنُطَبِّقَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الأَيَاتِ الَّتِى جَآءَت فِى مَوْضُوعِ الحَسَدِ.

5 ـ فَعِنْدَمَا هَبَطَ فَريِقُ ءَادَمَ وَفَرِيِقُ زَوْجِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَقَعَت العَدَاوَةُ بَيْنَ النَّاسِ لاِخْتِلاَفِ المَشَارِبِ، وَالمَسَالِكِ: “وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ”. هَذِهِ العَدَاوَةُ هِىَ مِنَ الدَّوافِعِ السُّلُوكِيَّةِ الخُلُقِيَّةِ، وَصَحِبَهَا البَغْضَآءُ، وَأَثَّرَت فِى السُّلُوكِ.

6 ـ وَمِنَ المُلاَحَظِ مِنْ نُصُوصِ الذِّكْرِ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ أَكْثَرُهُم فَاسِقُونَ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيِهِم فِى مَوْضِعٍ ءِاخَرٍ، مُبَيِّنًا حَالَهُم:

..وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿١١٠﴾ءَالِ عِمْرَان.

وَبِالتَّالِى فَقَدْ تَوَفَّرَ لِهَذِهِ الكَثْرَةِ مِنَ الأَسْبَابِ مَا يَجْعَلُهُم عَدُوٌّ لِلمُؤْمِنِيِنَ، وَمِنَ الكَارِهِيِنَ الحَاسِدِيِنَ لَهُم.

7 ـ أَنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ الفَاسِقَةَ، تَعْرِفُ أَنَّ الكِتَابَ المُنَزَّلَ عَلَى المُؤْمِنِيِنَ، هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، وَهُمْ ـ كَمَا أَسْلَفْنَا ـ لاَيُرِيِدُونَ وَلاَ يُحِبُّونَ الخَيْرَ لِغَيْرِهِم، وَبِالتَّالِى فَمِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يَدْفَعَهُم ذَلِكَ إِلَى حَسَدِ المُؤْمِنِيِنَ وَتَمَنِّى أَلاَّ يَنْزَلَ عَلَيْهِم هَذَا الخَيْرَ مِنْ رَبِّهِم، وَهُوَ مَا جَآءَ بِهِ النَّصُّ الحَكِيِمُ فِعْلاً:

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ ﴿١٠5﴾البَقَرَةُ.

وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ..﴿١٠٩﴾البَقَرَةُ.

8 ـ إِلَى هُنَا وَالحَسَدُ لَمْ يَتَوَلَّد شَرُّهُ بَعْدُ، وَلَمْ يَنْتَقِل إِلَى مَرْحَلَةِ الفِعْلِ، وَلِذَا طَلَبَ اللهُ تَعَالَى مِنَ المُؤِمِنِيِنَ أَنْ يَسْتَعِيِذُوا بِهِ مِنْ هَذَا الشَرُّ المُحْتَمَلِ:

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ ﴿١﴾…..وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴿٥﴾الفَلَق……يَتْبَعُ .

.

شَارِكْنَا
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Youtube
Contact us

2 ردا على “الحَسَدُ 4

  1. محمد

    سلام الا ترى أستاذ أنه يوجد تفسير بالنسبة للنقطة رقم 5 أمر الهبوط منهم من يقول أن أدم خلق هنا في الارض وليس في الجنة
    ولوكان كذلك لاستدعت أمورا أخرى وفتحت أسئلة عدة تؤدي حتى الالحاد وان موروثنا وافكار اهل الكتاب من اعطونا تلك الصورة والمتخيلة عندنا عد الى محمد هداية أو ابن كثير في هذه الجزئية تراه يعطيك تلك الصورة ( طبعا لعلمي المسبق والغير قطعي انك لا تعود الى الموروث ولكن علها تعطيك تصور اخر ) سلام

    • Ehab Hasan

      مَرْحَبًا أَخِى مُحَمَّد

      نُصُوصُ الكِتَابِ وَاضِحَةٌ، وَبِتَرْتِيِلِهَا سَتَعْرفُ أَنَّ ءَادَم فِى الكِتَابِ هُوَ مَخْلُوقٌ أَرْضِىٌّ، وَقَعَ عَلَيْهِ الاصْطِفَآءُ مِنَ المَوْجُودِيِنَ، ثُمَّ أُسْكِنَ الجَنَّةَ الدُّنْيَوِيَّةَ. ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا.

      هَذَا مَا أَعْرِفُهُ مِنْ كِتَابِ رَبِّى.

      وَمَعْذِرَةً أَنَّنَى لَنْ أَرْجِعَ لِلمَرَاجِعِ الَّتِى ذَكَرْتَهَا، لِكَوْنِهَا لاَ تَعْنِى لِى شَيْئًا.

      دُمت بِخَيْرٍ

أضف تعليقاً

نحتفظ بسرية الايميلات المدخلة لدينا لن يتم نشر بريدك الالكتروني او بيعه هذه الحقول مطلوبة *

يمكنك استخدام HTML بالاوسمة والتضمينات: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

اعادة الضبطنفذ