يُعْرَفُ الحَاسِدُ عِنْدَ المُتَأَخِّرِيِنَ بَأَنَّهُ شَخْصٌ ذُو مُوَاصَفَاتٍ خَاصَّةٍ تُمَيِّزَهُ عَنِ الأَخَرِيِنَ؛ فَهُوَ حَقُودٌ، يَذْهَبُ بِهِ حِقْدُهُ إِلَى تَمَنِّى زَوَالِ النِعَمِ عَنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ لِفَقْرِهِ، أَوْ لِسُوءِ طَوِيَّتِهِ وَمَرَضِ قَلْبِهِ، وَيَتَمَيَّزُ بِأَنَّ لَهُ مَقْدِرَةً خَفِيَّةً عَلَى إِيِقَاعِ الضَرَرِ بِالمَحْسُودِ، فَهُوَ إِذَا نَظَرَ إِلَى جَمَادٍ أَتْلَفَهُ، خَاصَّةً إِذَا مَا كَانَ قَابِلاً لِلكَسْرِ، وَإِذَا مَا نَظَرَ إِلَى مَوْفُورِ الصِّحَّةِ أَمْرَضَهُ، وَإِلَى الغَنِىِّ أَفْقَرَهُ، حَتَّى أَنَهُ يُمِيِتُ بِعَيْنِهِ.

المُحَصَّلَةُ النِّهَائِيَّةُ هِىَ أَنَّ اللهَ يُنْعِمُ وَالحَاسِدُ يَمْنَعُ، وَاللهُ يَرْزُقُ، وَالحَاسِدُ يُذْهِبُ بِالرِّزْقِ، حَتَّى المُجْتَهِدِيِنَ مِنَ النَّاسِ كَالعَبَاقِرَةِ والمُتَفَوِّقِيِنَ الَّذِيِنَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى أَغْبِيَآءٍ وَمُتَخَلِّفِيِنَ يُمْكِنُهُ إِذًا أَنْ يُمْرِضَهُم أَوْ يَتَسَبَّبُ لَهُم فِى الحَوَادِثِ أَوْ المَوْتِ…الخ!!!!!

هَكَذَا أَضْحَى مَنْ يَقُولُونَ أَنَّهُم يُؤْمِنُونَ بِاللهِ؛ يُؤْمِنُونَ بِالحَسَدِ وَالحَاسِدِ، وَأَصْبَحَ الحَاسِدُ جُزْءًا مِنَ القَدَرِ، وَمُؤَثِّرًا فِى الأَقْدَارِ، حَتَّى أَنَّ اللهَ يَرْزُقُ فَيَمْنَعُ هُوَ. وَاللهُ يَمْنَحُ فَيَمْنَعُ هُوَ.

يَا إِلَهِىَ العَظِيِمُ سُبْحَانَكَ

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.

لَوْ عَلِمَ هَؤُلآءِ أَمْرَ اللهَ جَيِّدًا، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهُ مِنْ قَضَآءٍ وَقَدَرٍ لَمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا!!

وَإِذَا مَا نَظَرْنَا فِى كِتَابِ الحِكْمَةِ مِنَ القُرْءَانِ فَسَنَجِدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ يُعَرِّفُ أَمْرَهُ لِلنَّاسِ، كَىْ يَعْبُدُونَهُ عَلَى حَقٍّ، وَعَلَى عِلْمٍ، فَيُبَيِّنُ أَنَّ أمْرَهُ تَعَالَي هُوَ الصِيغَةُ الوَاقِعِيَّةُ لِتَحْقِيق إِرَادَتِهِ، بِمَعْنَى تَدْبِيرِ أَمْرِ الكَوْنِ، وَالخَلْقِ، وَالأَحْدَاثِ، تَحْقِيقًا لإرَادَتِهِ سُبْحَانَهُ. وَهَذَا الأَمْرُ مِنْهُ مَا يُقْضَى بقَدَرٍ وَقَدْر، وَيُودَعُ فِي كِتَابِ الزَمَنِ، وَكُلَّمَا حَانَ مَوْعِدُ أمْرٍ مَا مِمَّا قَضَاهُ اللهُ تَعَالَي حَدَثَ هَذَا الأَمْرُ عَلَي الوَجْهِ الَّذِي أرَادَهُ اللهُ تَمَامًا. فَلاَ يَدْخُلُ الحَسَدُ فِى مَنْظُومَةِ الأَمْرِ بِحَالٍ، وَأَيْضًا لاَ يُفْسِدَهُ.

هَذَا وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالىَ أنَّ مِسَاحَةَ الأَمْر تَشْمَلُ كُلَّ مُلْكِهِ؛ فَقَالَ:

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَ‌ٰتٍۢ وَمِنَ ٱلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا ﴿١٢﴾الطلاق.

فَيَا أَيُّهَا الخَائِفُ مِنَ الحَسَدِ بِذَاتِهِ، وَمِنَ العَيْنِ، أَنْ تَمْنَعَ فَضْلَ اللهِ عَلَيْكَ لاَ تَخَف، فَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيِرٍ، وَاَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

وَلِأَمْرِ اللهِ مُفْرَدَاتُهُ مِنْ قَضَاءٍ وَقَدَرٍ، وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بإنْفَاذِ الإِرَادَةِ كَأَمْرٍ للهِ تَعَالَي. فَإذَا كَانَ القَضَاءُ لِحَدَثٍ؛ تَرتَّبَت الظُرُوفُ كُلُّهَا لِتَأخُذَ الحَدَثَ فِي الوجْهَةِ الَّتِي يُريدُهَا اللهُ تَعَالَي، وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ خَرْقٌ لِقَانُونٍ سَابقٍ (1)، وَلا قضاءٌ بدونِ قَدَر،

وَالقَدَرُ حَاكِمٌ عَلَيَ كُلِّ شَيءٍ، وَإعْلاَنٌ وَإعْلاَمٌ بالسيطرةِ، والقوّةِ، والقُدْرَةِ، والتَحَكُّمِ، وَمِنْ ثَمّ فَإنَّه لاَ شَيءَ مَهْمَا دَقَّ أَوْ صَغُرَ هُوَ خَارجُ الحِسَابَاتِ وَالسَيْطَرَةِ. وَفِي ذَلِكَ يَقُوُلُ تَعَالَيَ:

إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍۢ ﴿٤٩﴾القمر.

..وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَرًۭا مَّقْدُورًا ﴿٣٨﴾الأحزاب.

وداخلُ القَدَرِ يَتَمَوْقَعُ القَدْرُ، فَالقَدْرُ هُوَ مَصْفُوفَةٌ (كَمِّيِّةٌ) صُغْرَى خَاصَّةٌ بتَفَاصِيلِ المَخْلُوقِ، مُهِمَّتُهَا هِىَ التَخْصِيصُ، وَتَقَعُ ضِمْنَ القَدَر، كَمَصْفُوفَةٍ أكْبَر خَاصَّةٍ بالخَلْقِ وَالأَمْرِ:

..قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍۢ قَدْرًۭا ﴿٣﴾الطلاق.

إذًا فالقَدَرُ تَخْطِيطٌ، والقَدْرُ تَحْدِيدٌ:

..وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ﴿٨﴾الرعد.

وَ: “قَدَرُ اللهِ”، تَعْنِي “التَخْطِيطُ بِإحَاطَةِ عِلْمٍ + القُدرةُ المُطْلَقة”، فَيَأتى الوَاقِعُ مُتَطَابِقًا لِمَا خُطِّطَ لَهُ تَمَامًا، لا يَنْحَرِفُ عَنْهُ قَيدَ أُنْمُلَةٍ.

وَ: “قَدْر” (بِسِكُونِ الدَال)، تَعْنِي “تَحْدِيدًا وَمَنْزِلَةً”، فَتَأتى الأقْدَارُ (كَمْيَّةً، وَمُحَدَّدَةً زَمَانًا، وَمَكَانًا، وَمُوَاصَفَاتًا) بالمَقَادِير الَّتِى قُدِّرَت بالتَّمَام والكَمَال. وَلِنُطَالِعُ بَعضَ الأيَاتِ لتَوْسِعَةِ المَدَارِك؛ يَقُولُ تَعَالَىَ لِمُوسَى:

..ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍۢ يَـٰمُوسَىٰ ﴿٤٠﴾طَهَ.

مُوسَى كَانَ يَظُنُّ شَيْئًا ءَاخر، انْظُر:

وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ﴿٩﴾ إِذْ رَءَا نَارًۭا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًۭى ﴿١٠﴾ فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَـٰمُوسَىٰٓ ﴿١١﴾ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى ﴿١٢﴾طَهَ.

بَل إنَّ كُلَّ حَيَاةِ مُوسَى كَانَ مُخَطَّطٌ لَهَا، انْظُر:

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِىٓ ۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿٧﴾القصص.

الرِزْقُ بِقَدَر، وَالحَيَاةُ بِقَدَر، والمَوْتُ بِقَدَر، وَالنَصرُ بِقَدَر، حَتَّى الزَوَاجُ بِقَدَر، والحَملُ بِقَدَر، وَجِنسِ المَوْلُوُدِ بِقَدَر، وَالعُقْمُ بِقَدَر، اُنْظُر:

لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ﴿٤٩﴾ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًۭا وَإِنَـٰثًۭا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ ﴿٥٠﴾الشورى.

وَكُلّ مَا سَبَق يَنْتَظِمُهُ عَلَىَ المُسْتَوَى الشَخْصِىّ قَدْرٌ دَاخِل القَدَر.

فَيَا أَيُّهَا الَّذِى تُؤْمِنُ بِأَنَّ الحَاسِدَ يُذْهِبُ بِمَا أَتَى اللهُ بِهِ وَقَدَّرَهُ، وَقَضَاهُ مِنْ أَمْرِهِ، اعْلَم أَنَّ لَكَ رَبًّا لَهُ مَقَالِيِدُ الأُمُورِ، يُرِيِدُ، وَيَشَآءُ، وَيَقْضِى، وَيُقَدِّرُ، فَلاَ يَتَجَاوَزُ شَيْءٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَلاَ يَتَدَخَّلُ فِىِ مُلْكِهِ لاَ حَاسِدٌ وَلاَ سَاحِرٌ وَلاَ مَخْلُوقٌ كَائٍنًا منْ كَاَنَ.

وَاعْلَم أَيْضًا أَنَّكَ عَلَى الجَانِبِ الخَطَأِ فِى فَهْمِ القُرْءَانِ، وَمَا جَآءَ بِهِ مِنَ النُّورِ. فَالنَّاسُ قَبْلَ القُرْءَانِ كَانُوا فِى هَذِهِ الظُلُمَاتِ، يَحْسَبُونَ أَنَّ الحَاسِدَ لَهُ مِنَ القُوَّةِ الخَفِيَّةِ مَا يَجِبُ أَنْ يَرْهَبُوهَا، وَيَحْسَبُونَ لَهَا أَلْفَ حِسَابٍ، فَجَآءَ القُرْءَانُ لِيُعْلِمَكَ وَيُعَلِّمَكَ أَنَّ لِلكَوْنِ رَبًّا فَعَّالٌ لِمَا يُرِيِدُ، وَيُقَدِّرُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدَرُهُ، وَيَقْدِرُ لِكُلِّ قَدَرٍ قَدْرُهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ، فَهُوَ مَنْ يَجِبُ أَنْ تَرْهَبَهُ، وَتَحْسِبُ لَهُ أَلْفَ حِسَابٍ لاَ المَخْلُوقُ، فَانْتَفِع بِالقُرْءَانِ رَحِمَكَ اللهُ، وَلاَ تُسْلِمُ أَمْرَكَ لِمَجْهُولٍ يُضَادُّ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكَ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَيُرِيِدُ أَنْ يَمْلأَ لَكَ رَأسَكَ بِالخُرَافَاتِ، فَتُشْرِكُ بِرَبِّكَ وَهْمًا وَخَيَالاً، وَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِيِنَ… يَتْبَعُ .


1 ـ أمَّا إذَا مَا تَعَلَّقَ القَضَاءُ بِاخْتِيَارَاتِ مُخَيَّرٍ فَقَدْ أصبحَ القَضَاءُ حُكْمًا تَشْرِيعيًّا مُلْزِمًا لِمَن يَتَنَاولُهُم الحُكمُ. إذْ إنَّ اللهَ تَعَالَى سَبَقَت إرادَتُهُ بمَنْحِ حُرِّيَّةِ الاخْتِيار لِلنَّاس؛ وَلِذَا فَإنَّ قَضَاَءَهُ المُتَنَاولُ لِهَذِهِ الإِرَادَةِ ـ المُتَعَلِّقَةِ بالْحُكْمِ ـ لاَ يُغَيِّرُ مِنْ إِرَادَتِهِ المُتَنَاولَةِ لِحُرِّيَةِ الاخْتِيَارِ. فالأوَّلُ يَدْخُلُ تَحْتَ الثَانِي.

.

شَارِكْنَا
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Youtube
Contact us

أضف تعليقاً

نحتفظ بسرية الايميلات المدخلة لدينا لن يتم نشر بريدك الالكتروني او بيعه هذه الحقول مطلوبة *

يمكنك استخدام HTML بالاوسمة والتضمينات: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

اعادة الضبطنفذ