تَبَايَنَتُ المَذَاهِبُ فِي تَسْمِيَةِ القُرْءَانِ، فَأَمَّا مِنْ نَاحِيَةِ الاشْتِقَاقِ فَقَدْ اخْتَلَفَ القُدَامَى فِي اشْتِقَاقِ اسْمِ القُرْءَانِ كَالتَّالِي:

1 ـ مَنْ قَالُوا بِعَدَمِ اشْتِقَاقِ اسْمِ القُرْءَانِ وَعَدَم هَمْزِهِ (وَفِيِهِ مَذْهَبٌ):

المذهب الأول: وذهب أصحابه (كالشافعي في أحد مذاهبه) إلى رأي مرجوح، مفاده أن القرءان اسم ليس بمشتق، ولا مهموز، وإنما هو اسم علم، مرتجل، ومن هنا جآء خطهم له هكذا: “القرآن“. وقالوا أيضًا في عدم اشتقاقه، إنه اسم كالتوراة والإنجيل (1).

2 ـ من قالوا بعدم اشتقاق اسم القرءان ولكنهم قالوا بهمزه (وَفِيِهِ مَذْهَبٌ):

المذهب الثاني: ويرى أصحابه (مثل اللحياني، والجوهري، والراغب الأصفهانى، وابن الأثير) أن لفظ القرءان غير مُشتق، وإنما هو مصدر مهموز، على وزن فعلان، وقيل له قرءان لأنه مقروء (2)، وهو من باب إطلاق المصدر على مفعوله. كالقول للمشروب: شراب، وللمكتوب كتاب.

3 ـ من قالوا باشتقاق اسم القرءان بغير همز (وَفِيِهِ ثَلاَثَةُ مَذَاهِبٍ):

المذهب الثالث: ويرى أصحابه أن لفظ القرءان مشتقٌ بغير همز (قران)، ونونه أصلية غير زائدة، وأصله من الجذر “قرن“، ومنه قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الأخر. وينسب بدء هذا القول للإمام أبي الحسن الأشعري، وينتهي في أيامِنا بالأستاذ شحرور (3).

المذهب الرابع: ويرى أصحابه أن لفظ القرءان مشتقٌ بغير همز (قران)، ونونه أصلية غير زائدة، وأصله من “القرينة”، إذ الأيات يصدق بعضها بعضا. وينسب هذا القول للفراء وللقرطبي ومن تبعهما (4).

المذهب الخامس: ويرى أصحابه أن لفظ القرءان مشتقٌ بغير همز (قران)، ولكن نونه زائدة، وأصله من “القري”، وهو الجمع، ومنه قريت الماء في الحوض، أي: جمعته. وينسب هذا القول إلى الجوهري (5).

4 ـ من قالوا باشتقاق اسم القرءان بالهمز (وَفِيِهِ مَذْهَبٌ):

المذهب السادس: ويرى أصحابه (مثل الزجاج وأبي عبيدة) أن لفظ القرءان هو وصف، على وزن فعلان، مشتقٌ من “القرء”، كالنقصان والنقص، والخسران والخُسر، . . الخ. وهؤلاء انقسموا:

فمنهم من قال: إنه قرء بمعنى الجمع (6)، لأنه مجموع ومؤلف من حروف، وكلمات، وءايات، وسور.

ومنهم من قال: إنه من القَرْء بمعنى الإظهار، لأنه كلام مُظْهَر بالتلاوة، كما قال تعالى: “فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءاَنَهُ”، أخذا من قول العرب: “ما قرأت الناقة سلاَ قط” أي: ما ألقت ولا رمت بولد. ووجه التشبيه، أن قارئ القرءان يلفظه، ويلقيه من فمه، فسمى قرءانا. ويُنْسَبُ هذا القول لقطرب وغيره.

.

تفنيد كُلّ ما سبق، وسبب اختياري:

أنا شخصيًا أرى خطأ كل هؤلاء، وكل ما سبق.

فأما خطأهم، والفرق بينهم وبين وجه الحق، فهو نفس الخطأ والفرق بين: “قُرْءَان”، و:”قرآن”. وبين كلام الله، وبين تأليف الإنسان!!

1 ـ فأما القول الأول (المنسوب للشافعي في أحد مذاهبه هو وغيره)، فقد ضربوا فيه بما جاء في القرءان من خطّه بالهمز عرض الحائط، وتحول إلى “القرآن” بدون اشتقاق، وبمد الألف دون همزها. وهو ظاهر البطلان لمخالفته للقرءان نفسه.

2 ـ وأما القول بكون لفظ “القرآن” مشتق من “القرينة”، فهو ظاهر البطلان أيضًا، لمخالفته للقرءان نفسه في اعتماد الهمز دائمًا في كلمة “قرءان”، كما أنه لقي معارضة ونقدًا شديدًا من بقية المذاهب:

يقول الطاهر بن عاشور، في تحريره وتنويره (المقدمة الثانية: 1/71):

ولعل أقوى اعتراض في هذا الصدد هو ما يوجه إلى القول المنسوب إلى القراء بكون لفظ القرآن مشتق من القرينة, إذ لا يجمع مثل قرينة على وزن فعال في التكثير؛ لأن الجموع الواردة على وزن فُعال محصورة، ليس هذا منها” اهـ.

ولنا أن الهمز من أصل الكلمة كما في قوله تعالى:

إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَ‌ٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٣﴾الزخرف.

3 ـ وأما القول بكون لفظ “القرآن” مشتق من “القرن”، فهو ظاهر البطلان، لاعتماده على حذف الهمز من أصل الكلمة. ثم إن هؤلاء قد تشرذموا من داخلهم، فمنهم من قالوا: لأن ما فيه من السور، والأيات، والحروف، يقترن بعضها ببعض، ومنهم من قال: بل لأن ما فيه من الحِكم، والشرائع، مقترن بعضها ببعض، ومنهم من قال: بل لأن ما فيه من الدلائل الدالة على كونه من عند الله، مقترن بعضها ببعض، . . إلى ءاخر التئاليف والاختراع.

ثم انظر إلى رسم لفظة “قرءانا” في قوله تعالى:

إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَ‌ٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢﴾يوسف.

تجدها: “قُرْءَ‌ٰنًا” من القُرء بالهمز، ولا يستطيع مُتَقَوِّلٍ أن يقول بأنَّها يمكن أن تكونَ “قُرنانًا” أو: “قرآنًا”، ومن القرن، . . الخ؛ إذ الهمز من أصل الكلمة!!!

وانظر إلى رسم لفظة “يقرءون” في قوله تعالى:

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿٩٤﴾يونس.

تجدها: “يَقْرَءُونَ“.

ثم انظر إلى قوله تعالى: “إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ ﴿١٧﴾القيامة.

تجدها: “وَقُرْءَانَهُ” من القُرء، ولا يستطيع مُتَقَوِّلٍ أن يقول بأنها يمكن أن تكون “وقرنانه” أو: “وقرانه” من القرن؛ إذ الهمز من أصل الكلمة!!!

أو تكون: “وقرائنه” من القرينة إذ الهمز أيضًا من أصل الكلمة.

4 ـ والّذين قالوا بأن أصل تسمية القرءان من القُرء، أخطئوا في قولهم بأن الاشتقاق، مصدره هو الاجتماع، لاجتماع حروفه، كقولهم: “قرأ الطعام في شدقه وقرأ الماء في حوضه إذا جمعه”، أو اجتماع الدمّ في الرحم، أو أن مصدره هو الوقت، وقالوا: “لمجيء الشيء المعتاد مجيئه لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم” (7).

ولكي نفهم أصل التسمية، والعلاقة بين القرء، والقرءان، والقراءة، فلابد أن نستعرض التالي:

.

القرءان والبرهان:

عندما صلّى الله تعالى على الناس وأرسل لهم أنبياءه بالكتاب، فقد زاد في صلاته بأن أنزل مع الكتاب برهانًا فوق استطاعة البشر ليتيقنوا من أن هذه الرسالة الأتية مع النبيّ هى من عند الخالق سبحانه، الّذي غَيَّرَ قانون الخلق في “الأية البرهان” المصاحبة للرسالة، ولنطالع بعض ذلك:

يقول تعالى لموسى عليه السلام:

ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍۢ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ ۖ فَذَ‌ٰنِكَ بُرْهَـٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ﴿٣٢﴾القصص.

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿١٧﴾ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ﴿١٨﴾ قَالَ أَلْقِهَا يَـٰمُوسَىٰ ﴿١٩﴾ فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌۭ تَسْعَىٰ ﴿٢٠﴾ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ﴿٢١﴾ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ﴿٢٢﴾طه.

لقد تَغَيَّرَ قانون الخلق في اليدّ، وتَغَيَّرَ في العصا.

ويقول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل:

. . أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَ‌ٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٤٩﴾ءال عمران.

وبرغم هذه الأيات الحسّيّة الظاهرة، فإن الكثير ممن عاينوها قد أعرضوا عنها، انظر لقولهم لموسى:

وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿١٣٢﴾الأعراف.

ولذا فقد منع الله تعالى نزول أي ءايات مصاحبة لرسالة النبيّ الخاتِم محمد؛ وقال في ذلك:

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ. .﴿٥٩﴾الإسراء.

ومن ثم فقد بدل الله تعالى الأيات الحسّيّة التي كَذَّبَ بها الأولون بأيات من نوع مُخْتَلِف، ستستمر إلى نهاية الدنيا، وهى ءايات القرءان، فقال:

وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٠١﴾ قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿١٠٢﴾ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ ﴿١٠٣﴾النحل.

فأيات القرءان هى البرهان المصاحب للرسالة، مدموج بِنَفسِ الكِتاب، ويختلف البرهان هذه المرة في كونه عبارة عن منظومة من الحقائق الكونية مكنونة في حجاب الزمن، لا يستطيع كائنًا من كان من المخلوقين أن يصل إلى معرفتها كلها، وإدراكها في زمنه. وإنما سيصل كلّ عصر وكلّ جيل إلى معرفة بعضها بحسب ما تكوّن له من قاعدة علميّة بمرور الزمن، وبالتراكم الزمنيّ، ومن خلال تطوير وسائل الإدراك والبحث، كالميكروسكوبات والمناظير، والتليسكوبات، وأدوات المعامل، . . الخ. ومعلوم أن كلّ ذلك يعتمد على عنصر الزمن.

وَبِالتَّالِى؛ فَإِنَّ ءَايات القرءان (البرهان المُصاحب للرسالة) مكنونة في كتاب الزمن، لا تخرج إلا بمقدار، ولا يخرج كل مقدار إلا بمرور بعض هذا الزمن، وهكذا.

والأَن نستطيع أن نفهم قول الله تعالى:

۞ فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَ‌ٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴿٧٥﴾ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌۭ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿٧٦﴾إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿٧٧﴾ فِى كِتَـٰبٍۢ مَّكْنُونٍۢ ﴿٧٨﴾ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ ﴿٧٩﴾الواقعة.

فالقرءان (وهو الحقائق الكونية) في كتاب مكنون (وهو كتاب الزمن)، يصدع بما عنده رويدًا رويدًا، ولا يمسّه إلا البعيدون عن الشرك من العلماء الكونيين، السائرون على منهج الأنبياء (وكل الأنبياء عندي علماء كونيون قبل النبوة) من أتباع إبراهيم وعيسى، ومُحَمّد، في التعرف على الخلقة والخالق، وعلى القدرة والقادر، وعلى الحكمة والحكيم، . . . الخ (8).

وقوله تعالى بالمسّ منسجم مع عمرهم الزمني، فلا يكاد أحادهم إلا أن يمسّ القرءان وبالكاد، ويظل القرءان قرءانًا فياضًا بالحقائق لمن هو ءاتٍ من بعدهم إلى قيام الساعة، ولكن حصّة كلّ منهم هو المسّ فقط.

وقوله تعالى: “لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ“، منسجم مع قوله تعالى: “. . وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥﴾ءال عمران، . . . فتأملوا!!!

ولكن فلننتبه إلى أن القرءان ليس هدفًا في حدّ ذاته، وإنما هو برهان، وذكر مُصاحب للكتاب، ولكل منهما مقام. يقول تعالى:

طسٓ ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍۢ مُّبِينٍ ﴿١﴾النمل.

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءَانٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿١﴾الحجر.

.

القرء، والقراءة، والقرءان:

ظهرت الأن المناسبة بين القرء والقرءان والقراءة. وهى عندي تكمن في أن القرء هو عنوان الحقيقة وهو البيان والتوضيح واستخراج المكنون، وهو كما في قوله تعالى: “وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ﴿٢٢٨﴾البقرة.

فالحيض سيُخرج مكنون رحم المرأة، وهو عنوان لحقيقة مكنونه، بينما القرءان هو عنوان للحقائق الأكبر، وإخراج لمكنون رحم هذا الكون بما فيه من حقائق وقوانين علمية سطرها فيه من خلق هذا الكون ليكون القرءان بديلاً عن البرهان الحسيّ الممحو والمأتي بخير منه من القدير على كل شيء، والّذي تجاوز به سبحانه قيد الزمن المُقَيّد به المخلوق، والّذي لابد له من أن يمرّ عليه ليصل إلى معرفة هذه الحقائق من خلال تراكم المعلومة ومن خلال تطور وسائل الإدراك. والقراءة هى فهم الأشياء المكنونة في كتبها.

ومنه سُمِّيَ الـ: “قرءان”. فالقرءان ـ من الجذر: “قرء” ـ يعني البيان والتوضيح واستخراج لمكنون. وسيظل في حالة عطاء أبدي، وإخراج لمكنونه مادامت الدنيا؛ إذ هو بديل للأيات الحسيّة. ولا يبلغ أحد كائنًا من كان ما فيه وما يحتويه (9).

هامش:ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ انظر: مناقب الشافعي للبيهقي (1/277)، وتاريخ بغداد للخطيب (2/62). وقد رجحه السيوطي في الإتقان (1/147)،وإتقان البرهان (1/442)، وعلوم القرآن بين البرهان والإتقان للدكتور حازم سعيد حيدر (ص 20 ط دار الزمان بالمدينة المنورة 1420هـ).
2 ـ انظر: الإتقان للسيوطي (1/144 ـ 147)، ومناهل العرفان (1/7).
3 ـ انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/374)، والإتقان للسيوطي (1/146).
4 ـ انظر: المرجعين السابقين بنفس الصفحات.
5 ـ انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/374).
6 ـ انظر: المرجع السابق، وتفسيري الرازي (3/100)، والخازن (1/150). وشرح الرسالة التدمرية لعبد الرحمن بن ناصر البراك (1/235).
7 ـ انظر: النكت والعيون (1/165). قال:
وهذا قول الأصمعي، والأخفش، والكسائي، والشافعي في أحد مذاهبه، فمن جعل القروء اسماً للحيض سماه بذلك، لاجتماع الدم في الرحم، ومن جعله اسماً للطهر فلاجتماعه في البدن“. والمفردات في غريب القرآن (1/402).
8 ـ وهؤلاء الأنبياء الّذين كانوا قبل نبوتهم علماء كونيون علموا بعلمهم وتأكدوا أن لهذا الكون خالق عظيم، دلت عليه خبايا وعظمة خلقته وصنعته، وكان هذا هو سبب بحثهم الابتدائي، وكان هو سبب ضلالتهم الأولى (المحمودة). ثم بحنفهم وصلوا إلى الإسلام الحق بعد أن اجتباهم الله تعالى وهداهم إليه، كما أن أتباعهم ممن يأتون بعد النبيّ محمّد هم الأقدر على تثمين حقائق القرءان المُخترقة لحاجز الزمن، والتي تدلّ على مجيء هذا القرءان من عند الله تعالى خالق هذا الكون.
فالنبيّ إبراهيم ـ مَثلاً ـ بتَقديري كَان مِن عُلَماءِ الفلك: فَهُوَ عليه السلام ـ مثلاً ـ قال عنه ربه تعالى: في سورة الأنعام: “فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي . . (76)”. ومعلوم أن الكوكب لا يمكن تمييزه بالعين المجردة، ولا يعرفه العوام، وهو ما يعني أن إبراهيم كان يجوب السماء بعينه من خلال الأدوات الفلكية المتاحة في عصره بحثًا عن ربه الذي تأكد من وجوده بما علمه من الكون والخلقة، ويعني أيضًا أن إبراهيم عليه السلام كان يعرف كيف يُفَرِّقُ بين الكوكب وبين النجم: “فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ”. “وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ”.
والنبيّ إبراهيم بتَقديري كَان مِن عُلَماءِ الفيزياء: إذ يقول سبحانه في سورة الأنعام (78) عنه عليه السلام: “فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ”. وقول الفلكي بأن الشمس أكبر من القمر وأكبر من الكوكب يعني أنه تمّ قياس الحجم ومعرفته حسابيًا، وهو أمر لا يتأتى إلا من خلال الفيزياء الفلكية وحساباتها الخاصة بحساب أحجام الأجرام السماوية فتعرف بها على الأكبر حجمًا، وَإلاَّ فالقَمَر يبدو أكبر مِن الشَمسِ، وَلِذَا يحجبها في الكسوف.
والنبيّ إبراهيم بتَقديري كَان مِن عُلَماءِ ألأحياء: يقول سبحانه في سورة البقرة (260) عنه عليه السلام: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”. والانشغال بقضية كيفية إحياء الموتي تشغل أول ما تشغل فكر رجل البيولوجي الذي سبر غور الأحياء، وتوقف عند الموت.
والنبيّ إبراهيم بتَقديري كَان مِن عُلَماءِ الجدل والمنطق: يقول سبحانه في سورة البقرة (258): “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)”. فنلاحظ كيف أوتي إبراهيم حجته ومنطقه السليم في مجادلته للظالمين حتي أن الخصم بُهِت، ولم يحري جوابا!
وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَ‌ٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ﴿٨٣﴾الأَنْعَام.
9 ـ وعندما قال تعالي: “۞ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ﴿٢٠﴾المُزَّمِّل، كان المعني الأقرب للصحة هو: أن قراءة (دِراسة وفَهم) ما تيسر من القرءان هي عوض عن أي تقصير، حيث تصل بصاحبها إلي ذكر الله تعالي، وهي تعويض أيضًا للمريض أو من يشغله الضرب في الأرض، أو الّذين يُقاتلون في سبيل الله بعكس التلاوة التي يُمكن أن يقوم بها المسافر والمريض.
وكذلك في قوله تعالي: فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿٩٤﴾يُونُس، نجد أن الله تعالي لم يُحِلْ نبيّه علي الّذين يتلون الكتاب، بل علي الّذين يقرؤونه، فهم من يتلونه حق تلاوته، أما الّذين يكتفون بتلاوته فقط فيقول الحق فيهم: ۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٤٤﴾البقرة.
فها هي التلاوة دون قراءة (تعقل) جعلت التالي يذهل عما يتلوه.
وموضوع التلاوة والقراءة فيه كلام كثير يضيق به المقام هنا، وَلَكِن بناءً على ما سلف فنستطيع القول ـ مثلاً ـ بأن المذيع يتلوا نشرة الأخبار، ولا يلزم له أن يقرأها، وإنما يقوم كل خبيرٍ بقراءة ما يخصه مما تلاه المُذيع، فالخبير الاقتصادي سيقرأ الأخبار الاقتصادية التي تقع في دائرة اختصاصه ويُحَلِّلُها، والخبير السياسي سيقرأ الأخبار السياسية التي تقع في دائرة اختصاصه ويُحَلِّلُها أيضًا، . . . وهكذا. والإنسان يظلّ يتلوا الكتاب حتى يقرأه، ويحيط بما فيه. وعليه فنحن نقوم بتعليم الأطفال الصغار كيفية التلاوة، وليست كيفية القراءة.

.

شَارِكْنَا
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Youtube
Contact us

أضف تعليقاً

نحتفظ بسرية الايميلات المدخلة لدينا لن يتم نشر بريدك الالكتروني او بيعه هذه الحقول مطلوبة *

يمكنك استخدام HTML بالاوسمة والتضمينات: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

اعادة الضبطنفذ