26 مايو، 2020

الذِّكْرُ 1/19

 

اللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الحقُّ: “ذَ‌الِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ“، وَهُوَ مَصْدَرُ الحَقِّ، وَلاَ يَأتِىَ مِنْهُ إلاَّ الحَقُّ: “لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ“.

وَالحَقُّ؛ هَوَ مَوْضُوعُ العُلُومِ؛ فَالعُلُومُ كُلُّهَا تَبْحَثُ عَنْ وَجْهِ الحَقِّ فِى كُلِّ فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ مَوْضُوعَاتِهَا. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ مَصْدَرُ العُلُومِ أَيْضًا، وَالعُلُومُ تَتَعَدَّدُ بِتَعُدُّدِ الخَلْقِ وَالأَكْوَانِ. وَأَخِيِرًا ـ وَلَيْسَ ءَاخِرًا ـ فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الحَكِيِمُ، وَمَصْدَرُ الحِكْمَةِ سُبْحَانَهُ. وَقَدْ تَجَلَى كُلُّ ذَلِكَ فِى خَلْقِهِ حَيْثُمَا وَجَّهْتَ وَجَهَكَ، وَلَكِنَّنِى هُنَا مَعْنِىٌّ بِكِتَابِهِ القُرْءَان. فَعِنْدَمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى كِتَابَهُ لِلنَّاسِ أنْزَلَهُ بِالحَقِّ: “ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ“، وَنَسَجَهُ مِنَ العِلْمِ: “مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ“، وَجَمَّلَهُ بِالحِكْمَةِ “ذَ‌الِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ۗ“. وَكَانَ مِنْ إحْكَامِ التَّنْزِيِلِ أنْ جَعَلَ اللهُ لَهُ تَمْهِيِدًا يُمَهِّدُ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ مَوَاضِيِعِ كِتَابِهِ، صِرْنَا نُحَاكِيِهِ سُبْحَانَهُ فِى كِتَابَتِنَا، كَمَا هُوَ هُنَا الأَنَ فِى هَذِهِ السُّطُورِ. هَذَا التَّمْهِيِدُ سَطَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِى كِتَابٍ سَمَّاهُ سُبْحَانَهُ بِاسْمِ “الذِّكْر”، وَهُوَ جُزْءٌ مِنَ القُرْءَانِ، تَفَرَّقَت أيَاتُهُ عَلَى مَدَى سُوَرِ كِتَابِهِ القُرْءَانِ، لِيَذْكُرَ فِيِهِ بَعْضَ مَا سَبَقَ تَنْزيِلِ الكِتَابِ مِنْ حَقَائِقٍ، وَمَا بَعْدَهُ. وَالهَدَفُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الحَقَائِقِ لِلإِنْسَانِ هُوَ إِفْهَامُهُ مِيِتَافِيِزِيَآءَ الخَلْقِ، وَمَاوَرَآءَ الوُجُودِ، وَفِيِزْيَآءَ المَخْلُوقِ، وَحَقِيِقَةَ الأَشْيَآءِ، وَعِلاَقَةَ كُلِّ ذَلِكَ بِالخَالِقِ سُبْحَانَهُ، لِيَعْلَمَ الإِنْسَانُ فِى النِّهَايَةِ مَوقِعَهُ مِنَ الأَحْدَاثِ، وَأَنَّهُ قَادِمٌ فِى مَأمُورِيَّةِ عَمَلٍ، مُؤَقَّتَةٍ، فَيَشْحَذَ لَهَا هِمَّتَهُ. نَحْنُ هُنَا فِى هَذَا المَوْقِعِ المَعْنِىِّ بِدِرَاسَةِ كِتَابِ اللهِ نَفْعَلُ نَفْسَ الشَيْءِ؛ لِنُبْرِزَ مَا بَيَّنَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ مَوْقِعَنَا فِى هَذَا الكَوْنِ، وَنُلْقِى الضَوْءَ عَلَى مَا فِى كِتَابِ الذِّكْرِ مِنْ سَرْدِ أحْدَاثِ مَاضِىٍ سَحِيِقٍ، مَجْهُولٍ لَنَا تَمَامًا، قَبْلَ إِنْشَآءِ هَذَا الكَوْنِ الحَالِىِّ بِأَرْضِهِ وَسَمَآءِهِ، وَمَجَرَّاتِهِ، وشُمُوسِهِ، ونُجُومِهِ..الخ. وَالغَايَةُ مِنْ هَذَا السَرْدِ هُوَ مَعْرِفَةُ مَوْقِعِنَا مِنْ هَذَا الكَوْنِ؛ وَكَيْفَ وُجِدْنَا سَلَفًا فِى الوُجُودِ الأَوَّلِ، وَمَا الهَدَفُ مِنْ خَلْقِنَا فِى هَذَا الكَوْنِ المُؤَقَّتِ، وَإِلَى أَيْنَ تَؤُولُ الأُمُورُ؟ . . وَهَكَذَا. هَذَا الفَهْمُ لِمَا سَبَقَ ـ بِفَرْضِ حُدُوثَهُ ـ هُوَ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ لِكُلِّ مَا بَعْدَهُ مِنْ مَعْنَوِيَّاتٍ أَوْ مَادِّيَاتٍ، تَتَمَثَّلُ فِى الإِيِمَانِ أوْ الدِّيِنِ.

وَكَذَلِكَ فَهُوَ السَبِيِلُ لِفَهْمِ قَوْلِهِ تَعَالَى:

وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ“.

وَلِلحَدِيِثِ بَقِيَّةٌ طَويِلَةٌ جِدًا.

Share