26 مايو، 2020

القَلْبُ 5

.القَلْبُ وَالصَّدْرُ: الصَدْرُ فِى القُرْءَانِ يَأتِى بِمَعْنَى القَلْبِ ـ كَمَا عَرِفْنَاهُ ـ كَمَكَانٍ لَهُ، وَقَدْ جَآءَ لَفْظُ الصَدْرِ فِى الكِتَابِ بِمُشْتَقَّاتِهِ سِتَّة وَأرْبَعِيِنَ مَرَّةً، مِنْهَا أَرْبَعَة وَأرْبَعِونَ مَرَّةً بِهَذَا المَعْنَى، وَمَرَّتَان بِغَيْرِهِ، وَهُمَا: “يُصْدِرَ (الرِّعَآءُ)، يَصْدُرُ (النَّاسُ).

وَقَدْ اغْتَرَّ البَعْضُ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى السَّابِقَ ذِكْرَهُ: “ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ“، فَقَالُوا: “القلب هنا هو المضخّة بدليل وجوده في الصدر”، وَهُمْ فِى ذَلِكَ وَاهِمُونَ؛ فَالقَلْبُ هُنَا هُوَ مَا سَلَفَ ذِكْرَهُ فِى المَقَالاَتِ ، وَالصَدْرُ هُنَا هُوَ التَّجْويِفُ الرَّأسِىُّ، وَلْنُرَاجِعَ بَعْضَ ذَلِكَ:

صَدْر/ صَدْرًا/ صَدْرِى/ صَدْرِكَ/ صَدْرَهُ/ الصُّدُور/ صُدُورِكُم/ صُدُورُهم/

فَالصَدْرُ ـ لِسَانًا ـ هُوَ أَعْلَى مُقَدَّم كُلَّ شَيْءٍ وَأَوَّلُهُ (1)، وَصَدْرُ النَّهَارِ هُوَ: أوَّلُهُ، وَصَدْرُ المَجْلِسِ: مُرْتَفَعُهُ، وَفُلانٌ صَدْرٌ فِي قَوْمهِ أَى رَأسٌ فِيهِم. وَإِذَا قِيْلَ صَدْرُ الرَّجُلِ فَيَحْتَمِلُ المُقَدِّمَةَ الأُفُقِيَّةِ (القَفَصَ الصَدْرِيَّ، وَهُوَ المُتَعَارَفُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُتَأَخِّرِينَ)، أَوْ المُقَدِّمَةَ الرَّأسِيَّةَ بِمَعْنَي الدِّمَاغِ، وَهُوَ أَعْلَى مُقَدَّمِ الإِنْسَان تِجَاهَ أَعْلَى، وَمَحَلُ القَلْبِ. وَإذَا جَاءَ ذِكْرُ الصَدْرِ بِالقُرْءَانِ كَانَ المَقْصُودُ أَيْضًا هُوَ الرَّأسُ المُحْتَوى عَلَى القَلْبِ، كَمَكَانٍ لَهُ فَقَط، لاَ القِيَامُ بِوَظَائِفِ القَلْبِ

وَالصَدْرُ ـ قُرْءَانًا ـ هُوَ مَحَلُّ القَلْبِ (الرَّأسُ)، وَلِشَرَفِهِ جُعِلَ هَذَا الصَدْرُ مِنْ أَقَوَى التَّجَاويِفِ فِي الإِنْسَانِ، فَهُوَ صَنْدُوقٌ عَظْمِىٌّ مَتِيِنٌ، وَهُوَ أَيْضًا مُشَرَّفٌ بِالعُلُوِّ فِي المَكَانِ وَالمَكَانَةِ، وَهُوَ المُسَيْطِرُ عَلَى مَا هُوَ دُونِهِ مِنَ الجَسَدِ حَتَّى فِي الشَّكْلِ. وَقَدْ عَرِفْنَا أَنَّ القَلْبَ هُوَ الَّذِي يُؤْمِنُ، وَيَكْفُرُ، وَيُخْفِى، وَيَخَافُ، وَيُبْغِضُ، وَهُوَ مَحلُّ الذَّاكِرَةِ، . . الخ.

وَلأنَّ الصَدرَ هوَ مُحِيطُ القَلْبِ فَقَدْ جَآءَ أَحْيَانًا بَدَلاً مِنْهُ بِاعْتِبَارِ المَكَان، وَأنَّهُ يَحْتَويِهُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ تَعَاَلي:

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَالشرح.

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ ﴿١٢٥﴾الأنعام.

أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ. . (23)الزمر.

وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ(69)القصص.

قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَ‌اهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ (118)ءال عمران.

وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ(10)العَادِيَات.

لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةًۭ فِى صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ ۚ ذَ‌الِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ (13)الحشر. . . . الخ!

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الوَاهِمُونَ إِنَّ الصَّدْرَ الرِّئَوِيَّ هُوَ الَّذِي يَنْشَرِحُ بِالإِيِمَانِ، وَأَنَّنَا نَشْعُرُ بذَلِكَ فِي صُدُورِنَا، فَغَفَلُوا عَنْ قَوْلِ اللهِ:

وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ(106)النحل.

وَهُوَ نَصٌّ يَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِأنَّ الصَّدْرَ الرِّئَوِيَّ هُوَ الَّذِي يَنْشَرِحُ بِالإِيِمَانِ، وَأَنَّنَا نَشْعُرُ بذَلِكَ فِي صُدُورِنَا، فَهَاهُوَ الصَدْرُ يَنْشَرِحُ بِالكُفْرِ أَيْضًا، فَلاَ الشَرْحُ ارْتِيَاحٌ، وَلاَ الصَدْرُ هُوَ الرِّئَوىُّ.

أَمَّا مَا يَشْعُرُ بِهِ الإِنْسَانُ مِنَ انْقِبَاضٍ وَانْبِسَاطٍ بِصَدْرِهِ وَقَلْبِهِ الرِّئَوِيَّانِ فَهُوَ عِبَارَةً عَنْ انْعِكَاسٍ عَصَبِىٍّ لِلقَلْبِ العُلْوِيِّ، وَكَذَلِكَ التَّنَفُّسِ، وَالضَّغْطِ، وَالنَّبْضِ، وَالجِهَازِ العَصَبِيِّ كُلِّهِ.

فَكُلُّ هَذَا مَا هُوَ إِلَّا انْعِكَاسَاتٍ وَرُدُودِ أَفْعَالٍ. فَأجْهِزَةُ الجِسْمِ تَقُومُ بِنَقْلِ المَعْلُومَاتِ مِنْ المُحِيطِ الخَارِجِيِّ وَالدَّاخِلِيِّ إِلَى المُخِّ، مَعَ الاسْتِجَابَةِ التَّامَّةِ لِأَوَامِرِهِ وَرُدُودِ أَفْعَالِهِ عَلَى هَذِهِ المَعْلُومَاتِ، حَيْثُ يَتِمُّ التَّفَاعُلُ مِنْ خِلَالِ المَجَارِى العَصَبِيَّةِ المُوَصِّلَةِ لِأَوَامِرِ الضَبْطِ مِنَ المُخِّ إِلَى الأَعْضَآءِ، وَجِهَازِ الغُدَدِ الصَّمَّآءِ الَّذِي يَقُومُ بِاسْتِخْدَامِ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ لِلتَّأثِيرِ بِتَأثِيرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسْبِ الحَالَةِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ أَوَامِرِ الغُدَّةِ النُّخَامِيَّةِ، فَتَتَأَثَّرُ ضَرَبَاتُ القَلْبِ، وَالتَّنَفُّسِ، وَضَغْطِ الدَّمِ، وَبَقَيَّةِ الأَجْهِزَةِ. وَيَتِمُّ هَذَا التَّفَاعُلِ الدَّقِيقِ لِأَعْمَالِ المُخِّ مِنْ خِلَالِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مِلْيَارِ خَلِيَّةٍ، وَمِنْ خِلَالِ سِتَّةِ أَجْهِزَةٍ (الجِهَازُ العَضَلِيُّ، وَالهَضْمِيُّ، وَالدَّوْرِيُّ، وَالعَصَبِيُّ، وَالهَيْكَلُ العَظْمِىُّ، وَالجِلْدُ).

فَإِذَا مَا انْتَهَيْنَا مِنْ تَعْرِيفِ القَلْبِ، وَعَرِفْنَا أنَّهُ هُوَ الجُزْءُ الوَاعِى، وَأنّهُ هُوَ اللُبُّ، وَالجَوْهَرُ، فَاعْلَم أَنَّ العَقْلَ وَالفُؤَادَ هُمَا مِنَ القَلْبِ؛ كَالجِنَاحَيْنِ الَّذَانِ تُرَفْرِفُ بِهِمَا النَفْسُ، وَهُمَا الَّذَان تَتَعَامَلُ مَعَهُمَا ءَايَاتُ الكِتَابِ، وَلنَنْتَقِلَ إِلَي بَيَانِ أَنَّ المَرْأَةَ ـ بِخِلاَفِ الرَّجُلِ ـ لَهَا قَلْبَان.


1 ـ اسْتَأنِس بِالمصباح المنير (128)، ولسان العرب (4/445)، ومختار الصحاح (150)، والكليات (544)، والقاموس المحيط (543)، ومجمل اللغة (2/552).

Share