26 مايو، 2020

الحَسَدُ 2

2 ـ شَرْحُ مَعَانِى الأَيَاتِ:

اعْلَم بِدَايَةً قَبْلَ تَنَاوُلِ الأَيَاتِ الخَاصَّةِ بِالحَسَدِ أَنَّ النَّاسَ بِقُدْرَتِهِم عَلَى الاكْتِسَابِ والاخْتِيَارِ قَدْ افْتَرَقُوا إِلَى فَريِقَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ للهِ، وَالأَخَرُ غَيْرُ مُسْلِمٍ لَهُ تَعَالَى. فَالمُسْلِمُ للهِ ضَبَطَ حَرَكَتَهُ كُلَّهَا عَلَى كِتَابِ رَبِّهِ، فَهُوَ قَائِمٌ بِالقِسْطِ، وَيَخْشَى رَبَّهُ، وَيَمْتَثِلُ لأَمْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: “يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّ‌ٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ ..“. أَمَّا غَيْرُ المُسْلِمِ فَهُوَ سَاعٍ بِالظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ، وَمُتَشَبِّعٍ بِهِمَا، كَمَا يَأمُرُهُ هَوَاهُ.

وَهَذَا الظُّلْمُ يَسْرِى فِى غَيْرِ المُسْلِم للهِ؛ فِكْرًا، عَلَى نَفْسِهِ، فَقَلْبِهِ، وَعَمَلاً، عَلَى جِسْمِهِ، فَأَعْضَآءِهِ.

فَأَمَّا مَا يَسْرِى فِكْرًا عَلَى النَّفْسِ، فَالقَلْبِ، فَهِىَ مَشَاعِرُ البُغْضِ، وَالكُرْهِ الأَعْمَى لِغَيْرِ بَنِى سَبِيِلِهِ، وَالَّتِى يَتَمَخَّضُ عَنْهَا الحَسَدُ، وَهُوَ اسْتِكْثَارُ نِعْمَةِ الدِّيِنِ وَالهُدَى عَلَى مُخَالِفِهِ، مَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ الرَّغْبَةُ اللَّحُوحِ فِى زَوَالِ هَذِهِ النِّعْمَةِ.

إِذَا نَحْنُ أَمَامَ سِلْسِلَةٍ مِنَ السُّلُوكِ المُنْحَرِفِ، الَّذِى يَبْدَأُ بِالبُعْدِ عَنِ اللهِ، وَعَدَمِ الإِسْلاَمِ لَهُ، مُرُورًا بِاكْتِسَابِ الظُّلْمِ، فَالكُرْهِ لِلمُسْلِمِ، وَتَنْتَهِى بِالحَسَدِ لَهُ، وَتَمَنِّى زَوَالِ نِعْمَةِ الإِسْلاَمِ عَنْهُ.

هَذَا الحَسَدُ بِمَا يَعْقُبُهُ مِنْ رَغْبَةٍ فِى التَّدْمِيِرِ قَدْ يَنْتَقِلُ إِلَى حَيِّزِ الوَاقِعِ، وَالتَّنْفِيِذِ، وَهُنَا يَبَدَأَ الشَّرُّ. وَهَذَا الشَرُّ تَقُومُ الأَعْضَآءُ بِتَنْفِيِذِهِ، فَتَسْلُكُ سَبِيِلَيْنِ لاَ ثَالِثَ لَهُمَا؛ فَإِمَّا أَنْ تُفَعِّلَ الحَسَدَ فِى الاتِّجَاهِ المَعْنَوِىِّ، كَالتَّشْكِيِكِ، وَإِثَارَةِ الفِتَنِ، وَالغَمْزِ، وَاللَّمْزِ،..الخ، وَإِمَّا أَنْ تُفَعِّلَ الحَسَدَ فِى الاتِّجَاهِ المَادِّىِّ، كَالقِتَالِ، وَالإِغَارَةِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالحِصَارِ،..الخ.

هَذَا هُوَ الحَسَدُ فِى كِتَابِ اللهِ، لاَ يَتَجَاوَزُ الرَّغْبَةَ، وَلاَ ضَرَرٌ مِنْهُ إِلاَّ إِذَا تَمَّ تَفْعِيِلَهُ بِفِعْلٍ عَلَى الأَرْضِ، وَفِى الوَاقِعِ، وَبِذَلِكَ نَفْهَمُ دَوْرَ الاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ مِنَ الشَّرِ المُحْتَمَلِ لِلحَسَدِ إِذَا مَا تَفَعَّلَ. وَلنَسْتَعْرِضَ الأَيَاتِ:

.الأَيَةُ الأُولَى: وَهِىَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ..﴿١٠٩﴾البَقَرَةُ.

1 ـ فَأَوَّلُ مَانُلاَحِظَهُ فِى الأَيَةِ هُوَ أَنَّ الحَسَدَ كَانَ هُوَ الدَّافِعُ لَدَى الكَثِيِرِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، لإِحْدَاثِ الوُدِّ عِنْدَهُم، لِرَدِّ المُؤْمِنِيِنَ كُفَّارًا، وَلَكِنَّ الحَسَدَ ظَلَّ كَمَا هُوَ دَافِعًا لاَ أَكْثَرُ، وَلَمْ يُؤَثِّرُ بِذَاتِهِ فِى المُؤْمِنِيِنَ، وَلاَ فِى دِيِنِهِم.

2 ـ وَثَانِى مَانُلاَحِظَهُ فِى الأَيَةِ هُوَ أَنَّهُ حَتَّى الوُدَّ المُتَوَلِّدَ مِنَ الحَسَدِ لَمْ يُؤَثِّرُ هُوَ أَيْضًا بِذَاتِهِ فِى المُؤْمِنِيِنَ، وَظَلَّ مُجَرَّدَ وُدٍّ، وَلَمْ يَرْتَدّ المُؤْمِنُونَ عَنْ دِيِنِهِم كُفَّارًا. وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: “وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ”، فَوُدَّهُم لَمْ يَجْعَل النَّبِىَّ يُدْهِنُ.

3 ـ كَمَا نُلاَحِظُ أَيْضًا أَنَّ الحَسَدَ هُنَا مُرْتَبِطٌ بالدِّيِنِ، وَلَيْسَ بِعَرَضٍ دُنْيَوِىٍ، يُخَافُ عَلَى ذَهَابِهِ.

وَسَيَأتِى الرَّبْطُ بَيْنَ هَذِهِ الأَيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَيَاتِ عِنْدَ مُنَاقَشَةِ الأَيَةِ الرَّابِعَة.

.الأَيَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِىَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ ..(54)النِّسَآء.

وهِىَ الَّتِى أَسَآءَ الكَثِيِرُونَ فَهْمَهَا، فَحَسِبُوا أَنَّ الفَضْلَ هُنَا هُوَ المَتَاعُ الدُّنْيَوِىُّ، وَأَنَّ الحَسَدَ يُذْهِبَهُ بِذَاتِهِ، وَأَلِيَّةُ حُدُوثِ ذَلِكَ هِىَ العَيْنُ:

1 ـ فَنَجِدُ أَنَّهَا قَدْ تَعَلَّقَت بِمَا ءَاتَاهُ اللهُ لأَلِ إِبْرَاهِيِم مِنْ الكِتَابِ، وَالحِكْمَةِ، وَالمُلْكِ العَظِيِمِ، وَلَيْسَ عَلَى مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَعَلَى المَالِ وَالبَنِيِنَ، وَمَا شَابَه، وَلِذَا فَقَدْ كَانَت تَكْمِلَتُهَا كَالتَّالِى:

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَ‌ٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا (54)النِّسَآء.

2 ـ وَأيْضًا فَقَدْ تَنَاوَلَت الأَيَةُ فِعْلاً قَلْبِيًّا، وَهُوَ الحَسَدُ، مَعَ بَيَانِ أَنَّهُ  لَا تَأثِيِرَ لَهُ بِنَفْسِهِ، إِذْ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُم حَسَدُوا إِبْرَاهِيِمَ وَءَالِهِ عَلَى مَا ءَاتَاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَلَمْ يُذْهِبُ ذَلِكَ مَا ءَاتَاهُ اللهُ إِبْرَاهِيِمَ وَءَالِهِ مِنَ الكِتَابِ والحِكْمَةِ وَالمُلْكِ… يَتْبَعُ .

.

Share