26 مايو، 2020

الحَسَدُ 5

تَطْويِرِ الحَسَدِ:

9 ـ عِنْدَمَا يَجِدُ الفُسَّاقُ أَنَّ حَالَ المُؤْمِنِيِنَ فِى تَقَدُّمٍ وَازْدِهَارٍ يَأخُذُ الغَيْظُ مِنْهُم كُلَّ مَأَخَذٍ، فَيَبْدَأُ الفُسَّاقُ الحَرَكَةَ بِتَفْعِيِلِ الحَسَدِ، وَنَقْلَ الوُدِّ إِلَى حَيِّزِ الوَاقِعِ (وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ)، فَيَبَدَأونَ بِالأَخَفِّ، وَهُوَ الأَذَى، وَهُوَ مَا قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:
لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ﴿١١١﴾ءَالَ عِمْرَان.
وَقَدَ نَقَلَ اللهُ بَيَان هَذَا الأَذَى، فَإِذَا هُوَ الكَيْدُ بِالمَكَائِدِ لِلتَّشْكِيِكِ فِى الدِّيِنِ، وَفِى نِسْبَتِهِ إِلَى اللهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤْمِنُوا ظَاهِرًا، ثُمَّ يَخْرُجُوا مِنَ الدِّيِنِ، وَكَأَنَّهُ غَيْرُ مُقْنِعٍ، فَيَتَشَكَّكُ ضِعَافُ الإِيِمَانِ:
وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٧٢﴾ وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌۭ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَ‌ٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ﴿٧٣﴾ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴿٧٤﴾ءَال عِمْرَان.
وَنُلاَحِظُ الارْتِبَاطَ بَيْنَ فِعْلِهِم وَبَيْنَ دَافِعِهِم “وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ”.
10 ـ بَقِىَ ءَاخِرُ مَا فِى جُعْبَةِ الحَاسِدِ، وَهُوَ أَنْ يُقَاتِلَ المُؤمِنِيِنَ لِيَرُدَّهُم عَنْ دِيِنِهِم، فَيُحَوِّلُ الوُدَّ إِلَى وَاقِعٍ:
إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا۟ لَكُمْ أَعْدَآءًۭ وَيَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴿٢﴾المُمْتَحَنَة.
وَهَذَا تَكَفَّلَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، فَقَالَ:
…وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٧﴾الرُّوم.
وَبِالتَّالِى فَسَيَفْشَلُونَ فِى تَحْقِيِقِ مُقْتَضَيَاتِ حَسَدِهِم، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى مُكَمِّلاً الأَيَةِ:
لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ﴿١١١﴾ءَالَ عِمْرَان.

.هَذَا هُوَ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ لِلحَاسِدِ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَهُوَ كَمَا نَرَى:
أ ـ لاَ عِلاَقَةَ لَهُ بِالعَيْنِ.
ب ـ لاَ يُؤَثِّرُ عَنْ بُعْدٍ.
جـ ـ لاَ عِلاَقَةَ لَهُ بِالأَعْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
د ـ لاَ يَنْجَحُ بِأَىِّ حَالٍ.

.11 ـ ثُمَّ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِى ءَاخِرِ سُورَة الحَدِيِدِ مَا هُوَ المَطْلُوبُ مِنَ المُؤْمِنِيِنَ لِكَى يُحَافِظُوا عَلَى نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِم (وَهِىَ هُنَا الدِّيِن)، وَلِكَى يَعْلَمُ الفَاسِقُونَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أَنَّ حَسَدَهُم، وَمَا تَبِعَهُ مِنْ تَفْعِيِلٍ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ لَنْ يُؤَثِّرَ فِى فَضْلِهِ الَّذِى ءَاتَاهُ لِلمُؤْمِنِيِنَ؛ فَقَالَ:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَءَامِنُوا۟ بِرَسُولِهِۦ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِۦ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًۭا تَمْشُونَ بِهِۦ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٢٨﴾ لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴿٢٩﴾الحَدِيِد.

.فَيَا أَيُّهَا الَّذِيِنَ يَخَافُونَ مِنَ الحَسَدِ اعْلَمُوا أَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيِهِ مَنْ يَشَآءُ، وَيُحَافِظُ عَلَىَ هَذَا الفَضْلِ أَنْ تَتَّقُوا، وَتَكُونُوا مُؤْمِنِيِنَ بَالرَّسُولِ، لاَ أَنْ تَقُومُوا بِتَحْوِيِلِهِ إِلَى الأَمْتِعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَتَجْعَلُوهُ مَخْصُوصٌ بِالعَيْنِ، وَتَفْتَرُونَ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ بِذَاتِهِ، ثُمَّ تَلْصِقُونَ ذَلِكَ بِالرَّسُولِ.
سَنَنْتَقِلُ الأَنَ إِلَى جَانِبٍ ءَاخَرٍ مِنَ الكِتَابِ، وَهُوَ جَانِبُ الحِكْمَةِ… يَتْبَعُ .

.

 

 

Share

3 thoughts on “الحَسَدُ 5

  1. بارك الله لك وزادك علماً بكتابه

    من خلال قراءة المقالات الخمسة عن الحسد ومن خلال قراءة هذه الأيات

    “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ 8 يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ 9 فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ 10” البقرة

    “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 51 فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ 52 وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ 53 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 54 ” المائدة

    هل يمكن القول أن الحسد هو أحد أمراض القلوب ؟

    1. مَرْحَبًا أَخِى مَحْمُود

      الأَيَاتُ الَّتِى أَوْرَدْتَهَا تَخُصُّ المُنَافِقِيِنَ. وَالحَسَدُ أَشْمَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ انْعِكَاسٌ لِلكُرْهِ، المُصَاحِبُ لِلكُفْرِ. فَالكُفَّارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يُصِيِبَ المُؤْمِنِيِنَ خَيْرٌ مِنْ رَبِّهِم، وكَذَلِكَ الفَاسِقِونَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَالمُنَافقِونَ بِالطَبْعِ، فَيَحْسِدُونَهُم عَلَى مَا ءَاتَاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ يَبْدَأونَ فِى تَفْعِيِلِ الحَسَدِ عَلَى الأَرْضِ.

      دُمْتَ بِخَيْرٍ.

  2. دمت بصحة وسعادة

    فى الأيات السابقة التى تخص المناقين
    قوله تعالى ” فى قلوبهم مرض ” المقصود بالمرض هنا النفاق أم الحسد؟

Comments are closed.