2 ــ المُفْرَدَةُ: فِقْه:

جَآءَت كَلِمَةُ “فِقْه” ــ بِمَا فِيهَا الأَيَةُ الَّتِي نُنَاقِشُهَا هُنَا ــ بِمُشْتَقَّاتِهَا عِشْرُيِنَ مَرَّةً، كُلَّهَا تَعْنِيَ الفَهْمَ التِّلْقَآئِىَّ، بِعَكْسِ التَّفَقُّهِ الَّذِى يَعْنِى الفَهْمَ بِجُهْدٍ.

فَاللهُ تَعَالَى أَوْرَدَ الفِقْهَ بِمَعْنَى الفَهْمِ التِّلْقَآئِىِّ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى:

أ ـ “..أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴿٧٨﴾النساء.

فَالقَوْمُ لَمْ يَفْقَهُوا أَنَّ المَوْتَ ءَآتٍ لاَ مُحَالَةَ، بِرَغْمِ أَنَّهُ فَهْمٌ تِلْقَآئِىٌّ لاَ يَحْتَاجُ لِبَذْلِ الجَهْدِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

ب ـ “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُولَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ ﴿١٧٩﴾الأعراف (1).

جـ ـ “وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى ﴿٢٧﴾ يَفْقَهُوا قَوْلِى ﴿٢٨﴾طه.

كَمَا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الفَهْمَ التِّلْقَآئِىَّ مُمْتَنِعٌ عَنِ الكَافِرِيِنَ وَالمُنَافِقِيِنَ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِم، وَذَلِكَ لِطَبْعِهِ وَخَتْمِهِ تَعَالَى عَلَى قُلُوبِهِم، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ:

. . وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٢٥﴾الأنعام.

رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴿٨٧﴾التوبة (2).

وَكَنَتِيِجَةٍ لِهَذَا الطَّبْعِ، وَالخَتْمِ فَقَدْ تَدَنَّى فِقْهِ هَؤلآءِ، وَصَارُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيِلاً:

سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَ‌ٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٥﴾الفتح.

قَالُوا يَـٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ ﴿٩١﴾هود.

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا أَن يُجَـٰهِدُوا بِأَمْوَ‌ٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿٨١﴾التوبة.

وَبِتَدَبُّرِ هَذَا الَّفْظِ فِي ضَوْءِ الأَيَاتِ السَّابِقَةِ؛ نَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الفِقْهِ وَالتَّفَقُّهِ، وَلَكِنْ فَهْمِ مِثْلِ هَذِهِ الدَّقَائِقِ مِنَ الجَاهِلِ سَمِيِر بَعِيدٌ.

وَلِكَيِّ نُسَهِّلُ بَيَانَ مَا نُرِيدُ أَنْ نَقُولَهُ هُنَا فَلْنَطْرَحْ أَوَّلاً هَذِهِ النَّمَاذِجَ:

يَأخُذُ   ــ  يَتَّخِذُ

يَذْكُرُ   ــ يَتَذَكَّرُ

يَسْأَلُ  ــ يَتَسَآءَلُ

يُفَكِّرُ   ــ يَتَفَكَّرُ

يَقْرَبُ   ــ يَتَقَرَّبُ

فَنَجِدُ أَنَّ الأَخْذَ وَالفِكْرَ وَالقُرْبَ . . الخ هِيَ أَفْعَالٌ فِي شَكْلِهَا البَسِيط، وَقَدْ تَحْدُثُ بِشَكْلٍ تِلْقَآئِيٍّ لَا دَخْلَ لِصَاحِبِهِ بِهِ.

يَقْرُبُ وَيَقْتَرِبُ:

فَالمُوَظَّفُ ــ مَثَلاً ــ لَا يَزَالُ يَتَرَقَّيَ حَتَّىَ يَقْرُبُ مِنَ الوَزِيرِ. وَهَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الهَيْئَاتِ وَالمَصَالِحِ. وَلَكِنَّ الفِعْلَ يَتَقَرَّبُ يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ سُلُوكًا فَرْدِيًّا مَبْذُولاً مِنْ طَرَفٍ دُونَ طَرَفٍ، يَهْدَفُ بِهِ الأَوَّلُ إِلَي إِحْدَاثِ القُرْبِ مِنَ الطَّرَفِ الثَّانِي بِغَيْرِ أَوَانٍ وَلَا أَسْبَابٍ تِلْقَآئِيَّةٍ، وَإِنَّمَا بِمَجْهُودٍ وَحَرَكَةٍ مَقْصُودَةٍ. . .وَهَكَذَا يَطْرُدُ الأَمْرُ فِى بَقِيَّةِ النَّمَاذِجِ أَعْلاَهُ. فَيَكُونُ الفِعْلُ بَسِيِطًا فِى أَوَّلِهِ، ثُمَّ يَتَعَقَّدُ وَيَتَكَثَّفُ بِالجُهْدِ وَالقَصْدِ.

نَعُودُ الأَنَ لِكَلِمَتِنَا: “يَتَفَقَّهُ” فَنَجِدُهَا تَسِيِرُ عَلَى نَفْسِ وَتِيِرَةِ أَخَوَاتِهَا مِمَّا سَبَقَ ذِكْرَهُ هُنَا، وَهِىَ غَيْرُ كَلِمَةِ “يَفْقَهُ”، فَالفِقْهُ يَحْدُثُ لِمُجَرَّدِ تَوَفُّرِ عَنَاصِرِ الحَدَثِ، وَالزَّمَانِ، وَالمَكَانِ، وَهُوَ كَقَوْلِ اللهِ تَعَالَي:

وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى ﴿٢٧﴾ يَفْقَهُوا قَوْلِى ﴿٢٨﴾طه.

إِذًا فَالتَّفَقُّهُ هُوَ فِعْلٌ فَرْدِيٌّ مُكْتَسَبٌ، يَقُومُ بِهِ طَرَفٌ وَاحِدٌ لإحْدَاثِ فِقْهٍ غَيْرِ عَادِيٍّ، يَتَطَلَّبُ مِنْهُ مَجْهُودًا وَحَرَكَةً مَقْصُودَةً. وَلِذَا جَآءَ الأَمْرُ بِالنَّفْرِ لإِدْرَاكِهِ، وَلَوْلَا هَذَا النَّفْرُ فَلَنْ يَحْدُثَ لاَ تَفَقُّهًا، وَلَا إِنْذَارًا، وَلاَ حَذْرًا، وَسَتَقَعُ الكَارِثَةُ الَّتِي أَرَادَ اللهُ تَعَالَي لِلمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَوَقَّوْهَا بِفِعْلِ التَّفَقُّهِ.

وَلِلحَدِيِثِ بَقِيَّةٌ نَعْرِفُ فِيِهَا المَعْنَى الكَامِلِ لِلأَيَةِ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: “قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾الأنعام.
وَهُوَ مُشَاهَدٌ فِى كُلِّ بِقَاعِ الأَرْضِ، وَلَكِنَّهُم فَقَدُوا القُدْرَةَ عَلَى الفِقْهِ، بِعْدَ أَنْ أُصِيِبَت بَصِيِرَتُهُم.
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَ‌ٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ ﴿٩٨﴾الأنعام.
2 ـ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًا ﴿٤٦﴾الإسراء.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوٓا إِذًا أَبَدًا ﴿٥٧﴾الكهف.
ذَ‌ٰلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴿٣﴾المنافقون.
.

تَحَرَّرَ فِى لَيْلِ يَوْمِ الأَحَد 25/5/2015 سعة 4.19

التَّعْلِيَقَاتُ مَفْتُوحَةٌ فِى المَقَالِ الأَخِيِر بَعْد اكْتِمَالِ المَوْضُوعِ

المَقَالُ السَّابِقُ

المَقَالُ التَّالِى

شَارِكْنَا
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Share On Pinterest
Share On Youtube
Contact us